يصف هذا المقال الذي نشرته صحيفة يديعوت أحرنوت، الواقع في جبهة الجنوب اللبناني، بأنه فخ استراتيجي خطر لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ويُعدّ عملياً هدية للمقاومة الإسلامية في لبنان - حزب الله. فهذا الواقع أتاح الفرصة للمقاومة بإنزال أشدّ الضربات بالكيان، على حساب الجيش الإسرائيلي. وبالرغم من أن الكاتب إليشع بن كيمون أعاد هذا الأمر، الى "تقييد مفترض" من أمريكا لجيش الاحتلال، إلى أنه يؤكّد بطريقة غير مباشرة الى أن هذا التقييد وما يقابله من حرية عمل للمقاومة، هو بسبب "وحدة الساحات" لجبهة المقاومة. وكشف بن كيمون أن قادة كبار في الكيان يقرّون بأنه: إذا عاد المستوطنون "إلى هذا الواقع – فنحن لم نفعل شيئاً"، بمعنى أن كيان الاحتلال بهذا الواقع يكون قد خسر حربه في لبنان.
النص المترجم:
البنية الاستراتيجية التي تشكّلت خلال الأسبوعين الأخيرين في جنوب لبنان تُعدّ إشارة تحذير ساطعة. فهي تخدم حزب الله وتضع الجيش الإسرائيلي في واقع عملياتي معقّد ومكشوف. صحيح أن الجيش هاجم أمس في البقاع، في عمق لبنان، ما يشير إلى تصعيد ورفع مستوى الهجمات، لكنه لا يزال مقيّداً بتوجيهات المستوى السياسي، وغير قادر على العمل بحرية، ويدفع ثمن "الشراكة" الاستراتيجية مع قوة عظمى – وهو ثمن لا يجرؤ أحد على التصريح به علناً.
1) "الشريك" – والثمن
في الجيش الإسرائيلي يُطلق على الأمريكيين وصف "الشريك". بالفعل، فإن التعاون الأمني مع الولايات المتحدة غير مسبوق وحاسم في مواجهة إيران، لكنه في الساحة اللبنانية يتحوّل إلى عبء. عندما تتعارض مصالح واشنطن مع احتياجاتنا الأمنية الفورية، تدفع إسرائيل ثمناً دموياً في لبنان. النتيجة؟ الجيش يقاتل بـ"نصف قوة"، بينما تقيد الاستراتيجية السياسية اليد العملياتية.
2)المصلحة الإيرانية
الحقيقة المؤلمة هي أن المعركة في لبنان ليست سوى أداة ضمن ساحة أكبر: المفاوضات مع إيران. البيت الأبيض يدفع نحو سياسة "الاستنزاف الاقتصادي"، وهي استراتيجية قد تنجح مع طهران، لكنها تدمّر أمن الشمال – الذي يُضحّى به على مذبح المصلحة الإيرانية.
3) وقف إطلاق نار؟
وقف إطلاق النار ينهار يومياً. خلال 11 يوماً فقط، خسرنا ثلاثة جنود: اثنان بسبب عبوات ناسفة زُرعت مسبقاً، وآخر نتيجة طائرة مسيّرة انتحارية. حزب الله يزرع العبوات، ويطلق الصواريخ نحو بلدات الشمال والقوات المناورة، ويشغّل طائرات هجومية مسيّرة. في المقابل، يدمّر الجيش منصات الإطلاق ويقضي على مقاتلين – لكن النار مستمرة. هذا ليس وقف إطلاق نار، بل حرب بالتنقيط الدامي.
هاجم الجيش أمس مخازن أسلحة ومستودعات صواريخ في البقاع، وهي أول ضربة منذ أسابيع خارج جنوب لبنان. هل يشير ذلك إلى تصعيد؟ وهل سيؤدي إلى توسيع حزب الله دائرة النيران لتشمل حيفا ومحيطها؟
4) فخ استراتيجي
يواصل الجيش كشف المنطقة حتى "الخط الأصفر"، ويفجّر بنى تحتية عسكرية – بما فيها تحت الأرض – ويجمع الأسلحة. لكن لذلك ثمن: التنظيم يدير القتال بوتيرة نيران تناسبه، ويركّز هجماته، ما يمنحه قدرة على الاستنزاف.
5)حزب الله يسعى لدفن المفاوضات
حزب الله، الذي يقدّم نفسه كـ"مدافع عن لبنان"، يفعل كل ما بوسعه لإفشال المفاوضات. الرسالة الأخيرة لأمينه العام نعيم قاسم توضح: لا نزع سلاح، لا استسلام، والسكان سيعودون إلى قرى الجنوب التي تم إخلاؤها.
6)وجود الجيش – أوكسجين أيديولوجي لحزب الله
المفارقة أن وجود الجيش الإسرائيلي على الأرض يوفّر لحزب الله أوكسجيناً أيديولوجياً. فهو يروّج للرواية التي تقول إنه "يحمي لبنان من الغزو الإسرائيلي". وكل يوم يستمر فيه هذا الوضع، يعيد الحزب بناء مكانته في الرأي العام اللبناني. ويُضاف إلى ذلك حوادث سلوكية محرجة ارتكبها بعض الجنود في منازل المدنيين.
7)ماذا عن أمين عام حزب الله؟
القتال بصيغته الحالية يمنح "بوليصة تأمين" لأمين عام حزب الله. رغم التهديدات المتكررة من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، لم يتم استهداف قاسم فعلياً. الجيش لا يهاجم بعمق لبنان، ولم ينفّذ حتى الآن عمليات اغتيال مركّزة ضد قيادات بارزة. قاسم يدير المعركة من مخبئه، وهو يعلم أن "الشريك" الأمريكي يمنع إسرائيل من تصفية الحساب.
كان الجيش يرغب منذ زمن في اغتيال قاسم، لكنه يمتنع حالياً بسبب التدخل الأمريكي (الذي قد يتغيّر). وقال كاتس أمس: "نعيم قاسم يلعب بالنار، وعون يغامر بمستقبل لبنان. لن يكون هناك وقف إطلاق نار مع استمرار إطلاق النار على قواتنا وبلدات الجليل. إذا واصلت الحكومة اللبنانية الاحتماء بحزب الله، فستنطلق نار تحرق أرز لبنان. يجب على الحكومة اللبنانية ضمان نزع سلاح حزب الله أولاً جنوب الليطاني حتى الخط الأصفر، ثم في كل لبنان". ومن اللافت أن كاتس، حين يقول أولاً الجنوب ثم كل لبنان، قد يلمّح إلى تفكيك الحزب على مراحل.
8)قواتنا تتحوّل إلى أهداف
تركيز القتال في منطقة واحدة – جنوب لبنان – يجعل قواتنا أهدافاً مباشرة. تتحرّك القوات مستفيدة من التضاريس، وتستخدم المدرعات للاختباء خلفها، وأحياناً تتحصّن في مواقع لحزب الله تم السيطرة عليها. لكن القتال معقّد للغاية. إلى جانب الصواريخ، يهدد حزب الله بالعودة لاستخدام العمليات الانتحارية في الجنوب.
في ظل تقييد سلاح الجو وعدم استهداف القيادات أو مراكز القيادة والسيطرة، يعمل حزب الله وفق ما يناسبه، وينقل مقاتلين من وسط البلاد إلى الجنوب، ويخلق ساحة قتال معزولة.
9)منظومة المسيّرات لدى حزب الله
فوق كل التهديدات، طوّر حزب الله منظومة الطائرات المسيّرة التي تبدو فعّالة جداً بالنسبة له. هذه طائرات رخيصة نسبياً، لذلك يفضّل استخدامها بدلاً من الصواريخ بعيدة المدى (أكثر من 10 كلم). يتم تعديلها في ورش داخل قرى الجنوب، بإضافة زلاجات، وكاميرات، ومواد متفجرة مأخوذة من رؤوس قذائف RPG.
الأهم أن استخدام الألياف البصرية يجعل اكتشافها واعتراضها بالغ الصعوبة. وقد وصل الأمر، كما حدث قبل يومين، إلى أن الجنود لم يجدوا خياراً سوى إطلاق النار عليها بأسلحتهم الفردية. تُطلق هذه المسيّرات من مسافات تفوق 10 كلم، فيما لا يتم استهداف مشغّليها المرتبطين بهذه المنظومة.
10)مستقبل الإنجاز
القادة في الميدان يتحدثون عن أيام طويلة إضافية من "التطهير" لتوفير "ورقة ضغط" للمستوى السياسي. لكن في نقاشات مغلقة، اعترف قادة كبار بالحقيقة المرة: "إذا عاد سكان الشمال إلى هذا الواقع – لم نحقق شيئاً". من دون تفكيك فعلي لحزب الله، فإن أي اتفاق ليس سوى خداع.
11)التخلي عن خط المواجهة
نجح حزب الله في تحقيق ما كان يُخشى منه: ربط كامل بين الساحات. بينما نخوض حرب استنزاف محلية، يتآكل الأمن الشخصي لسكان خط المواجهة. الربط بين طهران وبيروت يترك سكان الشمال لمصيرهم.
المصدر: يديعوت أحرونوت
الكاتب: غرفة التحرير