الأربعاء 29 نيسان , 2026 05:39

كيف نحصّن البيئة بعد الانتصار؟

جمهور المقاومة

لم تكن القوة العسكرية يومًا السبب الوحيد في السيطرة على العالم، ولم تكن التكنلوجيا السبيل الوحيد للدخول إلى كل منزلٍ يريد مشغّلوها الوصول إليه، في كلّ الحروب وكلّ الساحات منذ القِدم وحتى اليوم، كان هناك عنصرًا فعالًا يلعب دورًا مهمًّا إن لم يكن الأبرز في الميدان، ويستطيع قلب الميمنة على الميسرة وفرض معادلاتٍ وتحديد مساراتٍ مصيريّة، إنّها الحرب الإعلاميّة. ففي السنة الثالثة للهجرة، كانت جملة واحدة كفيلة بقلب موازين معركة أُحد بأكملها، عندما صاح صائح "إنّ محمّدًا قد قُتل!" تشتّت الصفوف، تفرّق الجمع، ولقي المسلمون هزيمةً كبيرة في المعركة، حيث أنهم قالوا للرسول (ص) بعد خروجهم: "يا رسول الله أتانا الخبر بأنك قُتلت فرعبت قلوبنا فولّينا مدبرين".

أما في زماننا الحديث فلم تكن الساحة الإعلامية خاليةً من المعارك الطاحنة، فعلى سبيل المثال وفي الحرب العالمية الثانية، خرجت قصة القناص السوفياتي فاسيلي زيتسيف – Vasily Zaitsev كقصة انتصار سوفياتية وخصوصًا بعد معركة ستالنغراد، وقد أصبح بطلًا قوميًا في نظر أمّته بسبب الحملة الدعائية التي انتشرت عنه أنه القناص الماهر الذي يصطاد جنود العدو "كالبطّ في الميدان"، وكان لتلك القصة دورًا مهمًا في رفع معنويات الجنود السوفياتيين وانتصارهم في المعارك. وفي التاريخ القريب، كان للإعلام دورًا مهمًا أيضًا في تصوير الحروب، فقد افترض الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار - Jean Baudrillard في كتابه "حرب الخليج لم تحدث – The Gulf War Didn’t Take Place" أن تصريح الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الأب عن حرب الخليج الثانية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف ضد العراق أنها "لن تكون فييتنام أخرى" أن سبب هزيمة الأميركيين في حرب فييتنام هي نقل الوقائع من الميدان كما هي، مما أثار الشعب الأميركي، فاختار الرئيس التحكم بالمجال الإعلامي لفرض الرقابة على ما يُنشر وما يُحذف، وعليه فقد صُوّر في الكتاب أن "عدد الجنود الأمريكين الذين قتلوا في هذه الحرب كان أقل ممن كانوا سيموتون بسبب حوادث الطريق إذا اختاروا البقاء في موطنهم"، وهذا يبيّن نظرة الشعب الأميركي للحرب – التي لم تكن أقل دموية من غيرها، ولكنها قُدّمت بصورةٍ ألطف. أما اليوم، فرغم هذه الوحشة في التدمير والنسف والإبادة الجماعية التي تُمارس على شتّى الجبهات، بقي صدى جملة واحدة قيلت من ملعبٍ بلديٍّ لمدينةٍ حدوديةٍ جنوبيّ لبنان يصدح لأكثر من عقدين ونصف، وبقي "الجيش الذي لا يقهر" يقاتل بشراسةٍ ليحصل على صورة نصرٍ واحدةٍ في ذلك الملعب لكسر عقدة هذه الجملة التي كانت حديث قادة الكيان المزعوم والإعلام العبري كلّ تلك المدّة، وبعد كلّ محاولة لهم، في الأعوام 2006، 2024، وآخرها 2026، كانت تتثبّت المقولة الصادقة، "إنّ إسرائيل هذه، واللهِ هي أوهن من بيت العنكبوت". خطاب بيت العنكبوت، خطاب انتصارٍ ألقاه سيد شهداء الأمة سماحة السيد حسن نصرالله من ملعب بنت جبيل البلدي، لا زال حتى الآن يشكّل عقدةً كبيرةً في الداخل المحتلّ، ويسعى العدو من خلال عدوانه في كل مرّة إلى كسرها، ولكنّه يرجع خائبًا.

على الرغم من القدرات العسكرية للمقاومة وقدرتها الأسطورية على صدّ هذا العدوان، إلا أنها وطبقًا للمسار التاريخي، لن تنجح في تثبيت بيئتها على هذا النصر لفترة طويلة إذا لم تقدّم المخرجات الإعلامية الصحيحة للانتصار، وتصوّر الميدان بحقيقته، وتنشر خسائر العدو الإسرائيلي وتصريحاته الداخلية والمشاكل التي باتت قوتًا يوميًا للمستوطنين. فنسمع يومًا عن ثوراتٍ ضد نتنياهو توصّفه بـ "مدمّر إسرائيل"، ويومًا آخر عن الخلافات العميقة داخل الجيش وحالاته النفسية التي توصله حدّ الإنهيار بحسب توصيف رئيس أركانه، ناهيك عن حركة "ناطوري كارتا" الحريدية اليهودية التي ترفض أصلًا فكرة قيام "دولة إسرائيل"، وتعتبر أن هذه أرض فلسطين والصهونية هي من استولى عليها غصبًا، وغيرها من التحركات التي تظهر الشتات الداخلي. فما دور المقاومة في كلّ هذه الفوضى؟

في الواقع، إن الدور هنا لا يقتصر على المقاومة كقيادة وعسكر، بل للبيئة – التي تعتبر نفسها هي المقاومة نفسها – الدور الأكبر والأبرز في قيادة هذه الساحة الإعلامية، وأن تعالج نفسها بنفسها، خصوصًا بعد النكسات التي مرّت بها المقاومة قيادةً وشعبًا خلال السنتين الأخيرتين، بدءًا من اغتيالات قادة الصف الأول حتى الأمينين العامين السيد الأقدس والسيد الهاشمي، مرورًا بتفجيرات أجهزة الاتصال والإثنين الأسود، والغزو البري الإسرائيلي وتثبيت النقاط المحتلّة، وصولًا إلى الوضع الذي كانت عليه في فترة الـ15 شهرًا ما قبل الحرب. وفي الوقت الذي أعلنت فيه المقاومة صريحًا أنها دخلت الحرب لتكسر وضع الأشهر السابقة، فعلى البيئة أيضًا أن تعمل على فرض المعادلات الإعلامية أقلّها على صعيد البيئة نفسها، وتعالج الوضع النفسي الذي وصل حدّ الانهيار عند البعض.

وبما أنّ بناء المجتمع السليم يبدأ من الفرد، فعلى كلّ فردٍ فينا أن يعرف أن نقطة البدء في مرحلة علاج البيئة، هي نفسه. في الدرحة الأولى، إذا عرف ابن هذه البيئة من أين يتلقّى الأخبار اليومية، وحصر مصادره في القنوات الموثوقة المتخصّصة، واستغنى عن "مجموعات الواتساب" العشوائية التي تنشر أخبارًا مضلّلة في معظم أوقاتها، فذلك قد يكون الخطوة الأولى من تخفيف الضغط النفسي عن كاهله وكاهل محيطه، والتي يعرف من خلالها الصواب من غيره، ويستطيع انتقاء الأخبار التي تساعد وتساهم في تبيان الحقيقة دون سواها – التي لم تكن يومًا تخدم مصالح العدوّ بل تظهر ضعفه –بعيدًا عن تزوير الحاقدين وغباء بعض الناشرين. كما الانتباه إلى ما ننشره من مصطلحاتٍ وصورٍ تُثبت سرديات العدو من غير قصد، كاستخدام مصطلح "إنذار" بدلًا من "تهديد" لما يُطلقه المهرّج باسم جيش الاحتلال بالعربية، أو نشر هذا التهديد كما هو مع عباراتٍ تُسيء للمقاومة وأهلها. فضلًا عن تصوير أماكن الغارات وأماكن انطلاق الصواريخ من أرضنا المباركة، أو حتى معاملة العدو على أنه الإله الذي يعرف كلّ شيء، فلا نكترث لما ننطق تحت هذه الحجة. كلّها أخطاءٌ نقع فيها سهوًا، لكنّ نتائجها قد تكون كارثيةً في بعض الأوقات. بدرجةٍ أعلى، يقع الدور على المؤثرين وصانعي المحتوى بشتّى مجالاتهم. فصانعو المحتوى لهم خطابٌ رنّانٌ في آذان متابعيهم، وقد يصلوا في بعض مراحلهم إلى صناعة رأي عام أو التأثير فيه على أقلّ تقدير، وشعبيةٌ كهذه تترتّب عليها مسؤوليات كبيرة في الحفاظ على جوهرها الشريف النقيّ. لا يحتاج الأمر أكثر من بحثٍ صغيرٍ في التصريحات الصهيونية من داخل الميدان وأخرى من المستوى السياسية، لتظهر الشرذمة والشتات الواسع في الداخل الصهيوني، وبحثٌ آخر يرتكز على المعطيات الميدانية لمجاهدينا الأبطال، يُظهر بسالتهم وضعف عدوّهم، ويشرح الواقع الميداني والانتصارات التي يسطّرها أبناء هذه البيئة. صعودًا نحو محطّات التلفزة وشركات الإنتاج، العالق بعضها حتى أواخر العقد الماضي في حقبة الثمانينيّات. إن سرد الأحداث التاريخية هو لأمرٌ مهمٌّ ومطلوب، لكن ليس على حساب التغافل عن الحاضر ونسيان الواقع. حتى وإن مرّ لبنان في فترةٍ بعيدة عن الحروب، فإنّ ذلك يفتح المجال للمحتوى الاجتماعي الذي يثبّت القيم والعادات السليمة وإن كان يحمل طابعًا كوميديًا حتى! فما المشكلة في أن نرى أساليب بعض المدارس الإنتاجية الأخرى وإن كانت كوميديةً – كالكوميديا السوريّة على أقرب تصوّر – والعمل على إنتاجاتٍ مشابهة تحاكي مجتمعنا وتبثّ القيم والدروس المبطّنة بين سطورها؟ لم يكن يومًا الموضوع المادي هو العائق، فالميزانية نفسها تستطيع أن تُنتج أعمالًا ضخمةً وفِكرها مطلوب، فقط في حال طرح الأفكار المناسبة. بمعنى آخر، يحتاج الموضوع إلى القليل من البحث الميداني لمعرفة حاجة المجتمع الفكرية والعمل عليها، فهذا أيضًا يرفع من درجاتها الفكرية والثقافية والاجتماعية عاليًا. وفي نقطةٍ وجب ذكرها، فإنّ طاقات الشباب اللبناني تُحدث فرقًا جبّارًا إن تمّ استثمارها بالشكل المطلوب، والتخلّي عن العقلية القديمة، وهذا ما ثبت بالتجربة عبر إنتاجات وسائل التواصل الاجتماعي.

لو تمّ العمل جدّيًّا على الحرب الإعلامية بالشكل الصحيح، وقلب الجبهة من جبهةٍ دفاعيةٍ إلى أخرى هجومية تصدّ الإشاعات وتثبّت البيئة، فإنّنا سنكون أمام واقعٍ جديدٍ نعيشه في بيئتنا ينعكس على الوضع العام للبلد بأكمله.


الكاتب: علي المرتضى إبراهيم




روزنامة المحور