الخميس 30 نيسان , 2026 12:59

هل تجرؤ واشنطن على إعادة بناء قواعدها في الخليج؟

القواعد الأميركية في دول الخليج

تُظهر التسريبات والتقديرات التي نقلتها وسائل إعلام أميركية، ومنها شبكة CNN، بشأن الكلفة الحقيقية للحرب مع إيران، أن ما يُعلن رسمياً من داخل البنتاغون لا يعكس الصورة الكاملة للواقع المالي والعسكري المتدهور في الشرق الأوسط. فبينما قُدّر الإنفاق المعلن بنحو 25 مليار دولار حتى الآن، تشير مصادر داخلية إلى أن الرقم غير مكتمل لأنه فعلياً يجب أن يكون بحدود ال 40 إلى 50 مليار دولار إذا ما أُدرجت كلفة إعادة بناء القواعد الأميركية التي تضررت بشكل واسع، إلى جانب استبدال أنظمة رادار ومعدات عسكرية حساسة تم تدميرها خلال الضربات الإيرانية بعد العدوان على طهران. وهذا ما يدل على التردد الأميركي داخل المؤسسة العسكرية تجاه المضي في إعادة ترميم البنية العسكرية في المنطقة كما كانت عليه قبل استهدافها من قبل إيران. فبحسب ما نُقل عن مسؤولين في البنتاغون، لا توجد حتى الآن "صورة نهائية" لكلفة إعادة الإعمار، كما أن هذه الكلفة ليست ضمن الموازنة الضخمة المقترحة لعام 2027. وهذا الغياب يعكس حالة إعادة التقييم لدور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وحدود قدرتها—أو رغبتها—في الاستمرار في نمط الانتشار العسكري المكلف والمعرّض للاستهداف.
أحد التفسيرات المحتملة لهذا التردد يرتبط بطبيعة البيئة الأمنية الجديدة في المنطقة. فالضربات التي طالت قواعد أميركية في أكثر من دولة خلال فترة زمنية قصيرة، وألحقت أضراراً بأنظمة الرادار والمنشآت الأميركية، كشفت أن هذه القواعد لم تعد "مناطق آمنة خلفية"، بل أهدافاً مباشرة في أي مواجهة إقليمية واسعة. وبالتالي، فإن إعادة بناء هذه القواعد بتكاليف باهظة قد لا تكون مضمونة الجدوى إذا كانت ستتعرض مجدداً للاستهداف في حال تجدد الحرب.
من هنا، يبرز منطق عسكري تقليدي داخل دوائر القرار يطرح تساؤلاً وجيهاً؛ "لماذا يتم استثمار عشرات المليارات في إعادة بناء بنى قد تُقصف مرة أخرى في أي حرب مقبلة؟" هذا السؤال، وإن لم يُطرح علناً، من الواضح أنه حاضر في حسابات التخطيط، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة لنهاية الحرب أو لاستقرار طويل الأمد في المنطقة.
إلى جانب العامل العسكري، هناك بُعد آخر لا يقل أهمية، وهو العامل البشري. فاستمرار التهديدات للقواعد الأميركية في الخليج والعراق وسوريا ينعكس مباشرة على معنويات القوات المنتشرة هناك، ويزيد من حساسية نشر الجنود في بيئات يُنظر إليها على أنها عالية المخاطر. ومع تصاعد قدرات الردع لدى قوى إقليمية مثل إيران وحلفائها، يصبح الوجود العسكري الأميركي أكثر كلفة من حيث الأرواح والموارد، وليس فقط من حيث الميزانية.
أما على المستوى المالي، فإن الأرقام المتداولة تعكس ضغطاً متزايداً على "الاقتصاد الدفاعي الأميركي". فارتفاع التقديرات إلى مستويات قد تصل إلى خمسين مليار دولار، مع طلبات إضافية تتجاوز مئتي مليار دولار من التمويل المستقبلي، يشير إلى أن الحرب لم تكن محسوبة بدقة من ناحية الكلفة طويلة الأمد. وهذا ما دفع بعض المشرعين، بمن فيهم نواب في الكونغرس، إلى التشكيك في الأرقام الرسمية واعتبارها "غير دقيقة".
في السياق الأوسع، تأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة من تحديات اقتصادية داخلية، تشمل التضخم، ارتفاع الدين العام، وتزايد النقاش السياسي حول أولويات الإنفاق بين الداخل والخارج. وهنا تصبح الكلفة العسكرية في الشرق الأوسط عبئاً إضافياً في معركة توزيع الموارد، خاصة في ظل انتقادات متزايدة لفكرة الانخراط في حروب طويلة لا تحقق نتائج استراتيجية حاسمة.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا التردد في إعادة الإعمار كجزء من تحول أوسع في الاستراتيجية الأميركية، يقوم على تقليص الحضور المباشر في مناطق التصعيد، وهذا ما يضع دول الخليج في المرصاد لتلقي الضربات نيابة عن الأميركيين الذين انسحبوا خلف البحار.
في المحصلة، مسألة تأجيل إعادة بناء القواعد الأميركية تنم عن أزمة فعلية في مقاربة الولايات المتحدة لدورها في المنطقة. وحساباتها لكلفة البقاء المرتفعة، وخطر تكرار الاستهداف، ما سيؤثر على الحضور الكبير للقوات الأميركية في القواعد التي كانت منتشرة بدول الخليج.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور