في ظل التصعيد العسكري والتطورات الميدانية المتسارعة، برزت مسألة "المحلّقات الانقضاضية" كواحدة من أبرز القضايا التي شغلت الإعلام العبري، حيث اختلفت مقاربات القنوات في تناول هذا التهديد وفق زوايا تحليلية متباينة تعكس اختلافًا في فهم طبيعته وتأثيراته. فقد انقسمت التغطيات بين رؤية استراتيجية تعتبر هذه الوسيلة تحولًا جذريًا في طبيعة الحروب، وأخرى تركز على أثرها التكتيكي المباشر في ساحة القتال، فيما اختارت بعض الوسائل تجاهل هذا الملف لصالح أولويات سياسية داخلية.
في هذا السياق، قدّمت القناة الحادية عشرة مقاربة معمّقة تنظر إلى المحلّقات الانقضاضية ليس باعتبارها مجرد سلاح جديد، بل كأداة تُحدث تغييرًا نوعيًا في قواعد الاشتباك. فهذه الوسائل تجمع بين عدة خصائص تجعلها شديدة الخطورة، أبرزها المرونة العالية، والقدرة على المناورة، إضافة إلى عنصر المفاجأة الذي يربك المنظومات الدفاعية. كما أن كلفتها المنخفضة مقارنة بوسائل عسكرية تقليدية تخلق اختلالًا واضحًا في التوازن العسكري، إذ يصبح بالإمكان تحقيق تأثيرات كبيرة باستخدام أدوات محدودة الكلفة. هذا العامل تحديدًا يعيد رسم معادلة القوة، حيث لم يعد التفوق مرتبطًا فقط بالقدرات التكنولوجية الباهظة.
وتتعمق هذه الرؤية عند النظر إلى صعوبة التصدي لهذه المحلّقات، إذ إن قدرتها على التحليق لفترات طويلة وتغيير مسارها أثناء المهمة يجعل من رصدها واعتراضها تحديًا معقدًا، خصوصًا في بيئة عملياتية متغيرة. كما أن دمجها بين الاستطلاع والتنفيذ الهجومي في آن واحد يختصر مراحل تقليدية في العمليات العسكرية، ما يمنحها أفضلية ميدانية واضحة. ومن هنا، ترى القناة أن تأثير هذه الوسائل لا يقتصر على الجانب التدميري، بل يمتد إلى إحداث ضغط نفسي مستمر على القوات، نتيجة حالة الترقب الدائم والخوف من استهداف مفاجئ في أي لحظة، وهو ما ينعكس على الأداء المعنوي والجاهزية القتالية.
في المقابل، ركزت القناة الثالثة عشرة على البعد التكتيكي المباشر، متناولة المحلّقات الانقضاضية كتهديد فوري وخطير في أرض المعركة. وقد أبرزت القناة دقة هذه الوسائل العالية، حيث يمكنها إصابة أهداف نقطوية بدقة كبيرة، مستفيدة من البث المباشر الذي يتيح للمشغّل متابعة الهدف لحظة بلحظة، ما يزيد من فعالية الضربة. كما شددت على عنصر المفاجأة، نظرًا لقدرتها على الطيران على ارتفاعات منخفضة وبأحجام صغيرة وسرعات تجعل اكتشافها أمرًا صعبًا، وبالتالي يصبح الرد الدفاعي متأخرًا في كثير من الأحيان.
وتكمن خطورة هذه الوسائل، وفق هذه المقاربة، في صعوبة التعامل معها في الوقت الحقيقي، إذ حتى في حال رصدها، قد لا يكون هناك وقت كافٍ لاعتراضها قبل وصولها إلى الهدف، خاصة إذا كانت تعمل بتقنيات غير قابلة للتشويش مثل الألياف الضوئية. يضاف إلى ذلك سهولة استخدامها وانخفاض كلفتها، ما يفتح المجال أمام انتشارها واستخدامها من قبل جهات متعددة، دون الحاجة إلى خبرات عسكرية متقدمة. ومن هنا، ترى القناة أن هذه المحلّقات تمثل تحديًا تكتيكيًا جديدًا يتطلب تطوير حلول سريعة وفعالة، وتكيّفًا مستمرًا مع طبيعة التهديد.
أما القناة الرابعة عشرة، فقد اختارت مسارًا مختلفًا، إذ امتنعت عن تناول هذا الملف العسكري، وركّزت بدلًا من ذلك على القضايا السياسية والخلافات الداخلية. ويعكس هذا الغياب تحولًا في أولويات التغطية، حيث يتم تهميش القضايا العسكرية المعقدة لصالح النقاشات السياسية، ما قد يؤثر على وعي الجمهور بطبيعة التحديات الميدانية.
بالمحصلة، تكشف المقارنة بين هذه القنوات عن ثلاث مقاربات مختلفة: الأولى استراتيجية بعيدة المدى ترى في المحلّقات الانقضاضية تحولًا في شكل الحروب، والثانية تكتيكية تركز على أثرها المباشر في الميدان، والثالثة تتجاهلها لصالح أولويات أخرى. هذا التباين لا يعكس فقط اختلافًا إعلاميًا، بل يعبر عن تباين أعمق في فهم طبيعة التهديدات الجديدة وكيفية التعامل معها، في ظل تحولات متسارعة تعيد تشكيل ملامح الحروب الحديثة.
الكاتب: غرفة التحرير