يشير المحلل الأمني علي رزق في هذا المقال الذي نشره موقع " Responsible Statecraft" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، الى خطة الإدارة الأمريكية الكارثية، التي تهدف الى تحميل الجيش اللبناني مسؤولية "نزع سلاح" المقاومة بدلاً عن الكيان المؤقت، معتبراً أن هذه الخطة قد تشعل حرباً أهليةً في لبنان.
هذه الخطة الأمريكية الكارثية، تتقاطع بشكل كبير مع تصريحات رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام والعديد من مسؤولي كيان الاحتلال الإسرائيلي الذين يعتقدون بأن سلاح المقاومة لا يمكن أن يتم إلا من الداخل.
وعليه لا يمكن تفسير البيان الأخير للسفارة الأمريكية في بيروت، الذي يدعو "لبنان ليقرر مصيره بنفسه"، ويشير الى انتهاء "وقت التردد"، بأن ما تطمح اليه الإدارة الأمريكية يتجاوز بكثير عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون ورئيس حكومة كيان الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الى قيام السلطة اللبنانية بمواجهة المقاومة بالنيابة عن إسرائيل وأمريكا.
Lebanon stands at a crossroads. Its people have a historic opportunity to reclaim their country and shape their future as a truly sovereign, independent nation.
— U.S. Embassy Beirut (@usembassybeirut) April 30, 2026
Direct engagement between Lebanon and Israel, two neighboring countries that should have never been at war, can mark…
النص المترجم:
في تصريحات حديثة لقناة "فوكس نيوز"، عرض وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطة تقضي بتكليف الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله — وهو مسعى قد يشعل حرباً أهلية في لبنان.
وقال: "هذا ما نعمل على تحقيقه، أي إنشاء نظام فعّال تكون فيه وحدات مدقّقة داخل القوات المسلحة اللبنانية تمتلك التدريب والتجهيز والقدرة على ملاحقة عناصر حزب الله وتفكيكهم، بحيث لا تضطر إسرائيل إلى القيام بذلك"، معتبراً أن حزب الله يشكّل تهديداً للشعب اللبناني ككل.
تأتي تصريحات روبيو بعد جولتين من المحادثات المباشرة بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، بوساطة منه شخصياً. وقد شكّلت هذه الاجتماعات أول محادثات مباشرة بين ممثلين لبنانيين وإسرائيليين منذ عام 1993، ووصفت بأنها محاولة لتحقيق سلام دائم على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية.
ورغم تصريحات روبيو، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الدولة اللبنانية تؤيد الخطة المفترضة التي تقضي بأن تقوم وحدات مدقّقة من الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله؛ إذ لم يؤكد أي مسؤول لبناني رفيع حتى الآن ما طرحه روبيو.
ومع ذلك، كان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام قد قال، قبل تصريحات روبيو، إن تعزيز قدرات الجيش اللبناني هو "الطريق الوحيد" لنزع سلاح حزب الله، وإن لم يدعُ صراحةً إلى استخدام القوة لتحقيق هذا الهدف.
على الجانب الإسرائيلي، صدرت إشارات من بعض الأوساط بأن نزع السلاح الكامل لحزب الله لا يمكن أن يتم إلا من الداخل. ففي الأسابيع الأخيرة، قال مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع إن إسرائيل ستحتاج إلى احتلال لبنان بالكامل لنزع سلاح الحزب، وبالتالي فإن الخيار الواقعي الوحيد هو السعي لتحقيق ذلك عبر الدولة اللبنانية.
كما تضمّنت دراسة جديدة صادرة عن "معهد دراسات الأمن القومي" (الإسرائيلي) توصيات لنزع سلاح حزب الله تتشابه إلى حد ما مع ما طرحه روبيو. ومن بين هذه التوصيات برنامج تدريب لعناصر الجيش اللبناني شبيه بـ"خطة دايتون" التي نُفذت في الضفة الغربية، والتي أُوكلت بموجبها إلى قوات أمن تابعة للسلطة الفلسطينية مهمة ملاحقة عناصر حركة حماس ونزع سلاحهم.
تبدو تصريحات روبيو موجّهة أساساً لخدمة الأهداف الإسرائيلية، وفقاً لما قاله جوشوا لانديس، الأستاذ في جامعة أوكلاهوما والباحث غير المقيم في "معهد كوينسي". وأوضح: "روبيو يدفع قدماً بالأجندة الإسرائيلية. السياسة المتبعة في لبنان تُصاغ حصراً لخدمة المصالح الإسرائيلية".
في الوقت نفسه، فإن أي محاولة لتكليف وحدات من الجيش بنزع سلاح حزب الله ستواجه عقبات بنيوية كبيرة، نظراً لمخاطر إثارة اضطرابات داخل الجيش أو حتى على مستوى البلاد ككل.
وقال العميد المتقاعد في الجيش اللبناني علي أبي رعد: "الجيش متعدد الطوائف ويعكس المجتمع اللبناني"، في إشارة ضمنية إلى وجود عدد كبير من الشيعة في صفوفه.
وأضاف محذّراً: "إذا أرادوا إنشاء قوة خاصة لملاحقة حزب الله ومواجهته، فإن ذلك سيجرّ البلاد إلى ما هو أسوأ من الحرب الأهلية، وسيؤدي إلى التقسيم وانهيار الجيش اللبناني".
وتنسجم هذه التقديرات مع تصاعد شعور "الاستهداف" لدى الشيعة في المنطقة وخارجها، بما في ذلك لبنان. فقد رأى الباحث حميد رضا عزيزي أن الحرب على إيران واغتيال القائد الأعلى السابق آية الله علي خامنئي فاقما مشاعر قائمة أصلاً بأن المجتمع الشيعي الأوسع يتعرض لهجوم.
وفي الحالة اللبنانية، يشير عزيزي إلى أن الضربات القاسية التي تلقاها حزب الله في حربه مع إسرائيل عام 2024، إضافة إلى القصف الإسرائيلي الأخير لمناطق ذات غالبية شيعية في الجنوب، زادت من حدة هذا الشعور.
وتبدو مخاوف الشيعة في لبنان أكثر حدّة من نظرائهم في دول أخرى، إذ يرون أنفسهم في مواجهة تهديدات وجودية عابرة للحدود من عدة اتجاهات، وليس فقط من الجبهة الجنوبية مع إسرائيل. ففي نظر شريحة واسعة منهم، فإن وصول القائد السابق في تنظيم القاعدة أحمد الشرع إلى السلطة في سوريا يعني ظهور خطر مميت جديد من الجبهتين الشمالية والشرقية للبنان.
ويزيد من هذه المخاوف أيضاً شعور بوجود تهديد داخلي يتمثل في تنامي النفوذ السياسي لحزب "القوات اللبنانية" اليميني المسيحي بقيادة سمير جعجع.
ويُعد هذا الحزب، المعروف بمعارضته الشديدة لحزب الله، أكبر كتلة مسيحية في البرلمان، ويتمتع بتمثيل قوي في الحكومة اللبنانية يشمل وزارة الخارجية وثلاث حقائب أخرى.
وقالت الباحثة أوريلي داهر، الأستاذة في جامعة باريس دوفين والخبيرة في شؤون لبنان وحزب الله: "بالنسبة للغالبية الساحقة من الشيعة، وكذلك لعدد كبير من اللبنانيين من طوائف أخرى، ليس فقط من غير المقبول نزع سلاح حزب الله في ظل عجز الجيش اللبناني عن صد أي احتلال إسرائيلي جديد، بل من الأفضل وجود أكثرية برلمانية ملتزمة بقضية حزب الله على أن تكون ملتزمة بقضية القوات اللبنانية".
تشير هذه الديناميات إلى أن لبنان قد ينزلق إلى الفوضى إذا كُلّفت وحدات من الجيش بنزع سلاح حزب الله. ويرى بعض المراقبين أن إثارة الاضطرابات قد تكون هدفاً إسرائيلياً بحد ذاته. فإذا خرج الوضع في لبنان عن السيطرة بالكامل، فإن ذلك سيحوّله فعلياً إلى دولة فاشلة، ما قد يسهل السعي إلى إقامة "إسرائيل الكبرى"، كما يدعو بعض السياسيين الإسرائيليين حالياً.
وتُعدّ سوريا ما بعد بشار الأسد مثالاً واضحاً على ذلك، حيث احتلت إسرائيل مساحات جديدة من الأراضي السورية في خضم الفوضى التي أعقبت سقوطه. كما ضغطت إسرائيل بقوة — وإن دون نجاح — من أجل تقسيم سوريا على أسس عرقية، بما كان سيساعدها على توسيع تعاونها مع الأقليات في البلاد.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن اندلاع نزاع أهلي في لبنان لا يحمل مكاسب تُذكر. ومن بين النتائج المحتملة لمثل هذا السيناريو تضرر سوريا، حيث استثمرت إدارة دونالد ترامب بشكل كبير في دعم حكم أحمد الشرع، بالتوازي مع سحب القوات الأمريكية من هناك.
وحذّر لانديس قائلاً: "عدم الاستقرار في لبنان ليس في مصلحة الولايات المتحدة. الحرب الأهلية في لبنان لن تؤدي إلا إلى زعزعة استقرار سوريا والمنطقة بأسرها".
المصدر: Responsible Statecraft
الكاتب: غرفة التحرير