الإثنين 04 أيار , 2026 09:58

كيف كشفت الحرب على إيران حدود القدرة الأميركية؟

بات النقاش المفتوح عن تراجع القوة العالمية للولايات المتحدة مرتبطاً بأحداث ميدانية تكشف حدود القدرة الفعلية على فرض الإرادة. حيث تحوّلت الحرب على إيران إلى اختبار مباشر للفجوة بين الطموح الاستراتيجي والإمكانات الواقعية، وهي فجوة اتسعت خلال العقدين الأخيرين نتيجة تراكم الالتزامات وتآكل عناصر القوة الصلبة.

يتمثل التحول الأبرز في أن واشنطن دخلت هذه المواجهة من دون تعريف واضح لمصلحتها الحيوية. منذ نهاية الحرب الباردة، قامت الاستراتيجية الأميركية على توسيع نطاق النفوذ تحت عناوين متعددة، من نشر الديمقراطية إلى حماية النظام الدولي. واجهت هذه المقاربة انتكاسات متكررة، وكان أبرزها تجربة العراق التي كشفت حدود القدرة على إعادة تشكيل الدول بالقوة. رغم ذلك، استمر الميل نحو التدخل، مع افتراض ضمني بأن التفوق العسكري كافٍ لتغطية التعقيد السياسي والاجتماعي.

في الحالة الإيرانية، تظهر المشكلة بطريقة مختلفة. اذ أن إيران ليست خصماً تقليدياً يمكن إخضاعه بضربة سريعة، فهي دولة تمتلك عمقاً جغرافياً وبنية عسكرية وشبكة علاقات إقليمية معقدة. بالتالي، تتطلب أي مواجهة طويلة معها موارد بشرية ولوجستية ضخمة، وهو ما يتجاوز القدرة المتاحة حالياً للجيش الأميركي إذا ما أُخذت في الاعتبار التزامات واشنطن في أوروبا وشرق آسيا. كما تكشف المقارنة مع حرب الخليج عام 1991 الفارق، حيث احتاجت واشنطن حينها إلى تحالف واسع لمواجهة خصم أضعف نسبياً.

العامل الأكثر أهمية أيضاً، يتمثل في استنزاف القدرات النوعية، خاصة الصواريخ بعيدة المدى التي تشكل ركناً أساسياً في أي مواجهة مع قوى كبرى. اذ يعكس استخدام هذا المخزون في ساحة الشرق الأوسط خللاً في ترتيب الأولويات، ويطرح تساؤلات حول القدرة على إدارة صراعات عدة في وقت واحد. هذا الاستنزاف يمتد إلى الكلفة الاستراتيجية المرتبطة بتقليص هامش الردع في مناطق أخرى، ولا يمكن حصره فقط بالكلفة العسكرية.

تكشف الحرب عن أزمة في تعريف الدور العالمي للولايات المتحدة. خلال السنوات الماضية، برز اتجاه يدعو إلى تقليص الانخراط الخارجي والتركيز على المجال الحيوي المباشر، وهو توجه يجد جذوره في إدراك متزايد بأن التوسع المستمر لم يعد قابلاً للاستدامة. لم يحسم هذا النقاش بعد، كما جاءت الحرب على إيران لتزيد من حدة التناقض داخل دوائر القرار الأميركي.

تشير التجربة التاريخية إلى أن القوى الكبرى تصل إلى مرحلة يصبح فيها الحفاظ على الانتشار الخارجي أكثر كلفة من تقليصه. قدمت بريطانيا نموذجاً واضحاً بعد الحرب العالمية الثانية، حين اضطرت إلى إعادة تعريف دورها بما يتناسب مع مواردها. الفارق أن هذا التحول جرى ضمن سياق دولي مختلف، أما اليوم فتواجه الولايات المتحدة منافسة مباشرة من قوى صاعدة، على رأسها الصين، ما يجعل أي خطأ في توزيع الموارد أكثر كلفة.

أظهرت الحرب على إيران أيضاً حدود القدرة على التحكم في مسار التصعيد. الدخول في مواجهة من دون تصور واضح لنقطة النهاية يفتح المجال أمام استنزاف طويل، ويضع صانع القرار أمام خيارات كلها مكلفة، من الانسحاب مع خسارة الهيبة، أو التصعيد مع مخاطر توسع النزاع، أو إعادة توزيع الموارد على حساب أولويات أخرى.

إلى جانب البعد العسكري، هناك بعد سياسي لا يقل أهمية. اذ أن تراجع القدرة على فرض النتائج يترافق مع تآكل الثقة لدى الحلفاء، الذين بدأوا يعيدون تقييم الاعتماد على المظلة الأميركية. في المقابل، تستفيد قوى أخرى من هذا التراجع لتوسيع هامش حركتها، مستندة إلى إدراك أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الجمع بين الانتشار الواسع والفعالية العالية في الوقت نفسه.

لا تواجه الولايات المتحدة أزمة قوة مطلقة، فهي ما زالت تمتلك أكبر ترسانة عسكرية واقتصاداً متقدماً، إلا أن المشكلة تكمن في التناسب بين الأهداف والموارد. كشفت الحرب على إيران هذا الخلل بشكل مباشر، وأعادت طرح سؤال أساسي حول حدود الدور الأميركي في النظام الدولي. يضع استمرار هذا التناقض واشنطن أمام استحقاق إعادة تعريف استراتيجيتها بما يتلاءم مع قدراتها الفعلية، وهو استحقاق مؤجل منذ سنوات، وتأجيله لم يعد خياراً قليل الكلفة.


الكاتب: غرفة التحرير

الكاتب:

مريم السبلاني

-كاتبة في موقع الخنادق.

-ماجستير علوم سياسية.




روزنامة المحور