الثلاثاء 05 أيار , 2026 04:36

هل تقود ألمانيا أوروبا مع تراجع التزام ترامب؟

جنود في الجيش الألماني

مع اقتراب ذكرى الحرب العالمية الثانية بدأت تظهر مؤشرات تلمح إلى تصاعد في القوة العسكرية الألمانية في ظل التهديد الروسي وتراجع الالتزام الأميركي بأمن أوروبا.
ويرى مقال نشرته صحيفة الغارديان وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني؛ أن التحدي الأساسي ليس في هذا الصعود بحد ذاته، بل في كيفية دمجه ضمن إطار أوروبي موحّد يمنع عودة التنافس والصراعات داخل القارة.
ويخلص إلى أن توظيف ألمانيا لهذه القوة التي تنميها ضمن منظومة دفاع أوروبي مشتركة هو ما سيحدد ما إذا كان هذا التحول عامل استقرار أم مصدر قلق جديد لأوروبا.

النص المترجم:

مع استمرار الحرب الروسية، وتشكيك الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب بالتزامها تجاه حلف الناتو، يصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى بناء دفاع أوروبي موحّد.
بينما نحيي الذكرى الحادية والثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا هذا الجمعة، 8 مايو، يتضح أن ألمانيا ستعود لتكون القوة العسكرية الأوروبية الأولى.
فبحلول العام المقبل، سيعادل إنفاقها الدفاعي مجموع إنفاق فرنسا وبريطانيا، ومن المتوقع أن يتفوق عليه بشكل ملحوظ بحلول عام 2030. وقد أعلنت الحكومة الألمانية هدفها المتمثل في امتلاك أقوى جيش تقليدي في أوروبا. صحيح أن فرنسا وبريطانيا تمتلكان أسلحة نووية، لكن ذلك يعني تخصيص موارد أقل لبقية مجالات الدفاع. لذا فالسؤال لم يعد: هل سيحدث ذلك؟ بل: كيف يمكن ضمان أن يكون هذا الصعود العسكري الألماني هذه المرة عاملًا إيجابيًا لأوروبا؟
هناك سببان رئيسيان لهذا التحول الجذري في الموقف الألماني. الأول هو "العدوان الروسي"، حيث يتنامى في برلين اعتقاد بأن فلاديمير بوتين لن يتوقف عند أوكرانيا. أما السبب الثاني، فهو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بات يشكك في التزام بلاده بالدفاع عن أوروبا ضمن إطار الناتو. ويُعد الإعلان عن سحب 5 آلاف جندي أميركي من ألمانيا مؤشرًا إضافيًا على ذلك، وقد جاء هذا الإعلان مدفوعًا جزئيًا باستياء ترامب من انتقاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس لحربه ضد إيران.
يتمثل التحدي الواضح أمام أوروبا في قدرتها على ردع روسيا نووية التسليح بمفردها. أما التحدي الأقل وضوحًا، لكنه لا يقل أهمية، فهو كيفية تجنب عودة التوترات الحادة بشأن توزيع القوة العسكرية بين الدول الأوروبية، وهي التوترات التي سادت القارة حتى عام 1945. وقد لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في "كبح هذه التوترات إلى جانب ردع الأخطار الخارجية".
تُعد ألمانيا عنصرًا محوريًا في الإجابة عن هذين التحديين. فقد حملت استراتيجيتها العسكرية الجديدة عنوان "المسؤولية من أجل أوروبا"، لكن السؤال الحقيقي ليس في الشعار، بل في التطبيق: هل ستكون هذه السياسة أوروبية فعلًا في الممارسة؟
تبرز الحاجة إلى إجابات أوروبية مشتركة خصوصًا في مجالي الصناعة الدفاعية والقدرات القتالية. فالتكنولوجيا والإنتاج العسكريان يمثلان عصب القوة العسكرية. ويُذكّر المؤرخ بيتر ويلسون بأن المستشار الألماني أوتو فون بسمارك لم يقل "الدم والحديد" كما يُشاع، بل قال "الحديد والدم"، أي أن القوة الصناعية تسبق القوة العسكرية. ويشير أيضًا إلى أن ألمانيا، حتى قبل عام 2022، كانت من أكبر مصدري السلاح في العالم رغم تقليصها لقدراتها العسكرية.
إذا استمرت ألمانيا في توجيه إنفاقها الدفاعي الضخم نحو صناعتها الوطنية، فقد تتجاوز فرنسا، ثاني أكبر مصدر سلاح عالمي بعد الولايات المتحدة. وهذا ما يثير قلق باريس، التي تفسر "السيادة الأوروبية" على أنها تفضيل المنتجات الفرنسية أو على الأقل مشاريع مشتركة، رغم تعثر أبرزها، وهو نظام الطائرات القتالية المستقبلية.
ولا يقتصر القلق على فرنسا، فبولندا أيضًا تبدي مخاوف حادة، كما يشعر عدد متزايد من الدول الأوروبية بعدم الارتياح، خصوصًا مع احتمال وصول حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي إلى السلطة. ورغم أن هذا الحزب قد يميل إلى التهدئة مع موسكو، فإن الغموض يحيط بمستقبل السياسة الألمانية حتى عام 2035.
تواجه الحكومة الألمانية ضغوطًا داخلية لإنفاق هذه الأموال داخل البلاد، في ظل أزمة النموذج الاقتصادي القائم على التصدير. وقد بدأت بعض مصانع السيارات بالفعل بالتحول إلى الإنتاج العسكري. كما أن موافقة البرلمان مطلوبة لأي صفقة دفاعية تتجاوز 25 مليون يورو، ما يفتح الباب أمام اعتبارات سياسية داخلية.
أما على صعيد القدرات القتالية، فلا تزال أوروبا تعتمد بشكل كبير على الناتو بقيادة الولايات المتحدة. إذ تعتمد الخطط الدفاعية على منظومة متكاملة تقودها واشنطن، تشمل الاستخبارات والأقمار الصناعية والدفاع الجوي والردع النووي. ويُعد تحقيق استقلال أوروبي جزئي في هذا المجال مهمة صعبة لكنها ضرورية.
من أين يبدأ الحل؟ من عقد المستشار الألماني اجتماعًا غير رسمي مع قادة فرنسا وبريطانيا وبولندا لبحث سبل تعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية وتطوير القدرات العسكرية المشتركة. فمن غير المعقول أن تمتلك أوروبا 174 نظام تسليح رئيسيًا مقابل 33 فقط في الولايات المتحدة.
في تسعينيات القرن الماضي، نجح المستشار هيلموت كول في دمج ألمانيا الموحدة ضمن السوق الأوروبية والنظام النقدي، ما عاد بفوائد كبيرة على بلاده. واليوم، ينبغي على ميرتس أن يسعى لتحقيق إنجاز مماثل في مجال الأمن الأوروبي.
في النهاية، يبقى المعيار الأساسي هو: هل ستنجح أوروبا في بناء منظومة دفاعية موحدة فعليًا؟


المصدر: الغارديان

الكاتب: تيموثي غارتون آش




روزنامة المحور