مع اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، تتزايد مؤشرات القلق داخل الحزب الجمهوري، بسبب التحديات الخارجية المرتبطة بالاقتصاد والسياسة الدولية من جهة، ونتيجةً للأزمة الداخلية المركّبة التي تعكس حالة التخبّط في إدارة المشهد السياسي في ظل قيادة دونالد ترامب من جهة أخرى. هذا القلق ترقى من مجرد مادة تتداولها وسائل الإعلام، ليصبح نقاشاً صريحاً داخل أوساط الحزب حول الاستراتيجية والخطاب والقدرة على الحفاظ على الأغلبية. في الظاهر، يحاول ترامب الترويج لإنجازاته كل يوم، كما يمرر في كل خطابته "فضله" على الأميركيين في "التخفيضات الضريبية" التي حققها لهم ضمن ما يسميه "القانون الكبير والجميل" -لكن يبدو هذا القانون الجميل لا يشمل عدم جر الولايات المتحدة وشعبها إلى حرب لن تحقق لهم أياً من أهدافهم-. إلا أن هذا الخطاب يبدو غير كافٍ لإقناع شريحة واسعة من الناخبين، في ظل ارتفاع أسعار الوقود واستمرار تداعيات الحرب ضد إيران التي أغرق بها ترامب مجتمعه وحملهم التبعات دون تحقيق النتائج. هنا تحديدًا تتجلّى الأزمة؛ فالحزب الذي يفترض أن يدافع عن سجلّ حكمه، يجد نفسه مضطرًا للانتقال مبكرًا إلى خطاب هجومي ضد الديمقراطيين، في محاولة لتعويض تراجع قاعدته الشعبية بعد حروب ترامب العبثية.
لكن هذا التحوّل بحد ذاته يكشف عن خلل أعمق، فالدفع نحو سلوك "السلبية السياسية" كما وصفته صحيفة البوليتكو أو الخطاب الهجومي لا يُصنف من ضمن الأدوات للفوز في الانتخابات النصفية.
داخل الحزب الجمهوري، هناك إدراك متزايد بأن الناخب الأميركي، وخصوصًا الشباب، لم يعد يتفاعل مع سردية تحميل الإدارات السابقة المسؤولية عن الوضع في أميركا، بل أصبح جل همهم أن يجدوا حلولاً ملموسة لأزماتهم اليومية.
الأزمة الداخلية لا تقف عند هذه الحدود، بل تمتد إلى مسألة الانضباط السياسي. فتصريحات ترامب وخروجه المتكرر عن الرسائل الأساسية — من الحديث عن مشاريع تجميلية في البيت الأبيض إلى استعراض إنجازاته الشخصية — واتخاذ القرارات المتهورة تثير امتعاضًا داخل الحزب نفسه، الذي يحتاج بنظره إلى خطاب موحّد ومركّز في هذه المرحلة الدقيقة. هذا التباين بين ما يريده المستشارون وما يقدّمه الرئيس فعليًا يعمّق حالة الارتباك ويضعف فعالية الحملة الجمهورية.
إضافة إلى ذلك، تكشف استطلاعات الرأي عن فجوة متزايدة بين الحزب الجمهوري وفئات عمرية شابة تميل بشكل واضح نحو الديمقراطيين. ما يدل على ضعف قدرة الحزب على تجديد خطابه واستقطاب ناخبين جدد، وهو ما يهدد مستقبله على المدى المتوسط، وليس فقط في هذه الانتخابات.
يبدو أن الجمهوريين يواجهون ما يمكن وصفه بـ "متلازمة الحكم" خلال انتقاله من موقع المعارضة إلى موقع السلطة. وفي ظل قيادة مثيرة للجدل مثل ترامب، تتفاقم هذه المتلازمة لتتحول إلى أزمة داخلية حقيقية، قد تنعكس بشكل مباشر على نتائج الانتخابات النصفية وما بعدها.
الكاتب: زهراء نعيم