لا تدور مفاوضات القاهرة حول "وقف إطلاق نار" بقدر ما تدور حول إعادة تعريفه. ما تريده "إسرائيل"، بدعم أميركي واضح، ليس تثبيت تهدئة، بل فرض معادلة جديدة: وقف نار من طرف واحد، مقابل استمرار الحرب بأشكال أخرى.
منذ أكثر من ستة أشهر على إعلان الاتفاق، لم يتوقف القتل. ففي التفصيل: هناك أكثر من ٢٥٠٠ خرق "إسرائيلي"، ما يزيد على 800 شهيد في غزة خلال فترة "الهدنة"، مقابل التزام فلسطيني شبه كامل. هذا وحده يكفي لفهم طبيعة ما يجري: لا اتفاق فعلي، بل إدارة للنار.
القاهرة: مفاوضات بلا طرف "إسرائيلي"
في المسار التفاوضي، لا تحضر "إسرائيل" كطرف مباشر. هي تكتفي بإرسال شروطها عبر الوسيط، وتحديداً عبر نيكولاي ميلادينوف، الذي تحوّل عملياً إلى ناقل للموقف "الإسرائيلي" أكثر منه وسيطاً.
الورقة الأولى التي حملها كانت واضحة:
- تنفيذ المرحلة الأولى على مدى 8 أشهر
- ربطها مباشرة بملف نزع السلاح
هذا الطرح لم يكن تفاوضياً، بل محاولة فرض استسلام تدريجي. لذلك انهار سريعاً أمام رفض فلسطيني يعتبر أن السلاح ليس بنداً تقنياً، بل جزء من معادلة الصراع والوجود.
الضغط الأميركي: تهديد بدل الوساطة
دخول المستشار الأميركي أرييه لايتستون على الخط لم يغيّر شيئاً في الجوهر، بل رفع مستوى التهديد. المهلة التي حُددت بـ 48 ساعة لقبول الورقة لم تكن سوى محاولة لفرض إملاءات تحت ضغط الوقت.
هذا الأسلوب يعكس منطق إدارة دونالد ترامب: التفاوض كصفقة، لا كعملية سياسية. إما القبول، أو "الجحيم". لكن ما جرى فعلياً هو العكس: ردّ فلسطيني موحّد أعاد ترتيب الأولويات، ورفض الانتقال إلى المرحلة الثانية قبل تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى.
الوقائع على الأرض: حرب مستمرة
بعيداً عن الطاولات، كانت "إسرائيل" تعيد رسم الخريطة:
- السيطرة على نحو 53% من القطاع شرق "الخط الأصفر"، مع توسيعها لاحقاً لتقترب من 60%
- تقليص دخول المساعدات من 600 شاحنة يومياً إلى أقل من 200
- تراكم ما بين 700 و800 ألف طن من النفايات
- استمرار الاغتيالات بشكل شبه يومي
- تعطيل شبه كامل لمعبر رفح، ومنع عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة
هذه ليست "خروقات"، بل سياسة متكاملة: تحويل الواقع الإنساني إلى أداة ضغط.
المعادلة "الإسرائيلية": الغذاء مقابل السلاح
الطرح "الإسرائيلي"، كما يظهر في الورقة الثانية، أكثر وضوحاً وخطورة:
- دمج المرحلتين الأولى والثانية
- جدول زمني لنزع السلاح بين 6 أشهر وعام
بمعنى آخر: الغذاء، الدواء، الإعمار، وحتى الكهرباء والمياه… كلها تصبح أوراق مقايضة مقابل السلاح. لكن الرد الفلسطيني كان حاسماً: لا فصل بين السلاح والمسار السياسي، ولا نزع له خارج إطار إنهاء الاحتلال.
الوسطاء: إدارة الأزمة لا حلّها
المشكلة لا تتوقف عند "إسرائيل". الوسطاء، رغم إدراكهم لحجم الخروقات، لم يذهبوا إلى تحميل الاحتلال المسؤولية. بل على العكس، مارسوا ضغطاً على الطرف الفلسطيني للانتقال إلى المرحلة الثانية دون تنفيذ الأولى.
هذا السلوك يكشف وظيفة الوساطة كما تُدار حالياً: ليست لفرض الالتزام، بل لمنع الانفجار، حتى لو كان ذلك على حساب الطرف الأضعف.
وقف النار كغطاء للحرب
ما يجري اليوم ليس مفاوضات تقليدية، بل محاولة لإعادة إنتاج نموذج جرى اختباره في لبنان: اتفاق يُلزم طرفاً واحداً، بينما يترك لـ"إسرائيل" حرية الحركة. الفارق أن غزة، بخلاف أي ساحة أخرى، تعيش انهياراً إنسانياً شاملاً. الناس هناك لا يناقشون السياسة، بل يسألون سؤالاً واحداً: كيف يمكن العيش تحت خيام، بلا ماء، بلا دواء، وبلا أفق؟
المسار الحالي يقود إلى أحد خيارين:
- تصعيد محسوب: توسيع الاغتيالات والضغط الميداني دون حرب شاملة
- انفجار مؤجّل: انهيار المفاوضات والعودة إلى المواجهة
لكن ما هو ثابت حتى الآن، أن "إسرائيل" لا تتفاوض لإنهاء الحرب، بل لإدارتها بشروط أفضل. وفي المقابل، يبدو أن الرهان على كسر الموقف الفلسطيني عبر الضغط الإنساني لم ينجح حتى الآن، رغم الكلفة الهائلة.
في النهاية؛ مفاوضات التي حصلت في القاهرة ليست مساراً نحو الحل، بل ساحة صراع بوسائل مختلفة. "إسرائيل" تستخدم النار والوقت والجوع. والفلسطينيون يتمسكون بما تبقى من شروط الحد الأدنى. بين الاثنين، يقف "وقف إطلاق النار" كأكثر المفاهيم تضليلاً في هذه الحرب: اسم بلا مضمون… واتفاق لا يوقف شيئاً.
الكاتب: غرفة التحرير