الأربعاء 06 أيار , 2026 04:51

"مشروع الحرية" يسقط في أول اختبار… وطهران تفرض معادلة الردع

ترامب ومضيق هرمز

لم يكن ما أُطلق عليه "مشروع الحرية" سوى التعبير الأحدث عن مأزقٍ أمريكي أعمق، مأزق يتجاوز تكتيك فتح ممر بحري إلى حدود القدرة على إعادة فرض الهيمنة في بيئة دولية تغيّرت قواعدها. فالمسألة لم تكن يومًا تقنية، ولا مجرد عملية عسكرية لمرافقة سفن عالقة، بل كانت اختبارًا مباشرًا لمدى قدرة واشنطن على ترجمة تفوقها العسكري إلى واقع سياسي مستقر. وهذا الاختبار سقط بسرعة لافتة.

منذ اللحظة الأولى، بدا المشروع أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى خطة قابلة للحياة. فالإدارة الأمريكية التي بدأت مسارها التصعيدي بخيارات عسكرية محدودة، سرعان ما اصطدمت بحدود القوة الصلبة في بيئة مشبعة بالتوازنات الردعية. ومع انتقالها إلى أدوات الضغط الاقتصادي، ثم إلى محاولة فرض واقع بحري جديد في مضيق هرمز، كانت تتحرك في اتجاه تعويضي أكثر منه هجومي. "مشروع الحرية" لم يكن بداية مرحلة، بل نتيجة تعثر المراحل السابقة.

من المبادرة إلى التراجع السريع

الإعلان عن المشروع جاء محمّلاً بلغة إنسانية وسياسية في آنٍ معًا، إذ قدّمه دونالد ترمب كخطوة تهدف إلى "تحرير السفن" ومساعدة الدول المحايدة. لكن هذه الصياغة بحد ذاتها كانت تكشف هشاشة المشروع: فالقوة التي كانت تدير النظام البحري العالمي لعقود، باتت مضطرة لتبرير تدخلها تحت عنوان إنساني، لا سيادي.

لم تمضِ سوى 48 ساعة حتى تحوّل هذا المشروع إلى مادة للتراجع. تعليق العملية، بالتوازي مع انتقال الخطاب الأمريكي إلى توصيف المرحلة بأنها "دفاعية"، لم يكن مجرد تعديل تكتيكي، بل اعتراف ضمني بفشل القدرة على فرض معادلة جديدة في المضيق. الأكثر دلالة هو ربط التعليق بمسار تفاوضي وبـ"طلب دول أخرى"، ما يعكس أن القرار لم يعد أمريكيًا خالصًا كما كان في السابق.

هذا التراجع السريع يشي بحقيقة أساسية: واشنطن لم تعد تتحرك في فراغ استراتيجي، بل ضمن شبكة معقدة من الضغوط، من الكونغرس في الداخل، إلى القوى الإقليمية في الخارج، وصولًا إلى خصمٍ – أي إيران – أثبت قدرته على تحويل أي تحرك أمريكي إلى ساحة استنزاف مفتوحة.

إيران وإعادة تعريف السيطرة

في المقابل، لم تتعامل طهران مع "مشروع الحرية" كحدث هامشي، بل كفرصة لإعادة تثبيت معادلة السيطرة. إعلانها عن آلية جديدة لإدارة مرور السفن لم يكن إجراءً تنظيميًا فحسب، بل خطوة سيادية بامتياز، تعني عمليًا نقل مركز القرار في المضيق من التوازن الدولي إلى الإشراف الإيراني المباشر.

هذه الخطوة تحمل دلالتين أساسيتين. الأولى، أن إيران لم تعد تكتفي بسياسة الردع، بل انتقلت إلى مرحلة فرض القواعد. والثانية، أن أي محاولة لفتح المضيق دون التنسيق معها باتت تُعد خرقًا يستدعي الرد.

وبينما كانت واشنطن تتحدث عن "مرافقة السفن"، كانت طهران تعيد تعريف مفهوم العبور نفسه، من حقٍ دولي إلى عملية خاضعة لشروطها. هنا تحديدًا يتكشّف عمق التحول: الصراع لم يعد على المرور في المضيق، بل على من يملك شرعية تنظيمه.

ولم تقتصر طهران على ذلك، بل ذهبت نحو ترجمة هذا التحول إلى إجراءات عملية مباشرة؛ عبر إنشاء آلية تفصيلية لإدارة المرور في المضيق، تفرض على السفن التجارية التنسيق المسبق مع الجيش الإيراني والحصول على إذن عبور ضمن مسارات محددة سلفًا. هذه الآلية، التي ترافقها خرائط ملاحية جديدة وتوسيع فعلي لنطاق السيطرة، لا تعكس مجرد تنظيم تقني لحركة الملاحة، بل تؤسس لواقع قانوني-سيادي مغاير، تتحول فيه حرية العبور من مبدأ دولي مفتوح إلى امتياز مشروط بالموافقة الإيرانية. والأهم أن إدخال أدوات إجرائية حديثة، كإبلاغ السفن بالقواعد عبر قنوات مباشرة، يشير إلى محاولة إضفاء طابع مؤسساتي على هذا التحول، بما يجعله قابلًا للاستمرار وليس مجرد إجراء ظرفي مرتبط بالأزمة.

حدود القوة الأمريكية

ما كشفه هذا المشهد هو الفجوة المتزايدة بين القوة العسكرية الأمريكية وقدرتها على تحقيق أهداف سياسية. فحتى مع امتلاك واشنطن تفوقًا بحريًا واضحًا، فإنها عجزت عن تأمين بيئة آمنة للملاحة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

التقارير التي وصفت المشروع بأنه "مغامرة محفوفة بالمخاطر" لم تكن مبالغة. فإيران، عبر مزيج من الصواريخ والمسيّرات والزوارق السريعة، نجحت في تحويل المضيق إلى منطقة عالية الكلفة لأي وجود عسكري معادٍ. وهذا النوع من التهديدات غير المتكافئة يضعف فعالية القوة التقليدية، ويجعل أي تدخل واسع مخاطرة غير محسوبة.

الأخطر من ذلك، أن نجاح العملية – حتى لو تحقق جزئيًا – لم يكن ليعيد الأمور إلى ما كانت عليه. فحركة الملاحة التي كانت تصل إلى نحو 130 سفينة يوميًا، تراجعت بشكل حاد تصل إلى "صفر" يومياً، ليس فقط بسبب الخطر المباشر، بل نتيجة فقدان الثقة. في عالم الأسواق، الثقة لا تُفرض بالبوارج، بل بالاستقرار، وهذا ما فشلت واشنطن في توفيره.

الاقتصاد كمرآة للفشل

انعكاسات هذا الفشل لم تقتصر على الميدان، بل امتدت إلى الأسواق العالمية. إغلاق مضيق هرمز لم يكن حدثًا جيوسياسيًا فحسب، بل صدمة طاقوية غير مسبوقة، أعادت رسم توقعات العرض والطلب، ودفعت الأسعار إلى مستويات مضطربة.

الأسواق التي كانت تراهن على تدخل أمريكي سريع يعيد تدفق الإمدادات، وجدت نفسها أمام واقع مختلف: قوة عظمى تتراجع، ومضيق يخضع لقواعد جديدة، وصراع مفتوح بلا أفق زمني واضح. هذا المزيج خلق حالة من عدم اليقين، هي الأخطر على الإطلاق، لأنها لا تُقاس فقط بالخسائر المباشرة، بل بتآكل القدرة على التنبؤ.

من الهيمنة إلى إدارة الأزمة

في جوهره، يعكس "مشروع الحرية" تحوّلًا بنيويًا في الدور الأمريكي. فبدل أن تكون واشنطن صانعة للمعادلات، باتت تسعى إلى إدارتها. وبدل أن تفرض القواعد، أصبحت تفاوض عليها. هذا التحول لا يعني نهاية القوة الأمريكية، لكنه يشير بوضوح إلى تراجع قدرتها على استخدامها بالشكل الذي كان سائدًا في العقود الماضية.

ما جرى في مضيق هرمز هو نموذج مصغّر لهذا التحول: مشروع يُعلن بثقة، يُعلّق بسرعة، ويُستبدل بخطاب دفاعي، في مقابل خصم يملأ الفراغ ويعيد تعريف قواعد اللعبة.

في النهاية؛ لم يفشل "مشروع الحرية" لأنه لم يُنفّذ بالكامل، بل لأنه افتقد منذ البداية إلى شروط النجاح. فهو مشروع وُلد في بيئة استراتيجية معادية، دون تفويض داخلي كافٍ، ودون قدرة على تحمّل كلفة التصعيد، ودون رؤية واضحة لما بعد التنفيذ. بهذا المعنى، لم يكن التعليق نهاية المشروع، بل كان لحظة كشف حقيقته: مبادرة حاولت أن تبدو كحل، لكنها في الواقع كانت تعبيرًا عن الأزمة.

وفي عالم تتحول فيه الممرات البحرية إلى ساحات صراع مفتوح، لم يعد السؤال: كيف تفتح واشنطن المضيق؟ بل: هل لا تزال تملك القدرة على فرض فتحه أصلاً؟


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور