الخميس 07 أيار , 2026 03:17

الضاحية في مرمى العدوان... والمقاومة تواصل إنهاك الاحتلال

عمليات المقاومة الإسلامية

يشهد الجنوب اللبناني تصعيدًا ميدانيًا متسارعًا يؤكد عمليًا سقوط كل الادعاءات المرتبطة بما يسمى "وقف إطلاق النار"، بعدما واصل العدو الإسرائيلي اعتداءاته الجوية والمدفعية على القرى الجنوبية، وصولًا إلى استهداف عمق الضاحية الجنوبية لبيروت، في محاولة واضحة لفرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة بالقوة. في المقابل، تثبت المقاومة الإسلامية يومًا بعد يوم أنها استعادت كامل جاهزيتها العملياتية والقيادية، وأنها انتقلت من مرحلة امتصاص الضربات إلى مرحلة إدارة حرب استنزاف دقيقة ومركّزة، تقوم على استهداف قوات الاحتلال وآلياته وتحويل وجوده داخل الأراضي اللبنانية المحتلة إلى عبء أمني وعسكري دائم.

ميدانيًا، شكّل يوم الأربعاء السادس من أيار محطة لافتة في مسار المواجهة، بعدما نفذت المقاومة سلسلة عمليات نوعية توزعت على معظم محاور الاشتباك في القطاعين الشرقي والغربي، مستهدفة تجمعات الجنود والآليات، والمراكز القيادية المستحدثة، والتجهيزات التقنية، فضلًا عن تنفيذ كمائن مركبة ضد قوات الإخلاء والإسناد التابعة للاحتلال. وقد امتدت العمليات من القنطرة والطيبة والبياضة ودير سريان وحولا والقوزح وصولًا إلى الناقورة ورشاف وعيتا الشعب ومحيط معتقل الخيام، ما يعكس اتساع رقعة الاشتباك وقدرة المقاومة على إدارة النار في أكثر من محور في توقيت متزامن.

اللافت في العمليات الأخيرة كان الحضور الكثيف للمسيّرات الانقضاضية، التي تحولت إلى السلاح الأبرز في إدارة الاشتباك الحالي. فقد استخدمت المقاومة هذا النوع من المسيّرات في غالبية عملياتها، مستهدفة تجمعات الجنود والآليات بدقة عالية، وهو ما يعكس تطورًا استخباريًا وتقنيًا واضحًا، وقدرة على اختراق الطبقات الدفاعية الجوية الإسرائيلية. ولم يعد استخدام المسيّرات يقتصر على الاستهداف التكتيكي المحدود، بل بات يشكل عنصر استنزاف نفسي وميداني دائم لقوات الاحتلال، التي تعيش حالة استنفار متواصلة في المواقع الأمامية والمستوطنات الشمالية.

وفي هذا السياق، برزت عملية خلّة الراج في دير سريان كواحدة من أبرز العمليات المركبة خلال الساعات الماضية. فقد بدأت العملية باستهداف آلية "نميرا" إسرائيلية بمحلّقة انقضاضية، ما أدى إلى احتراقها بشكل كامل، قبل أن تتدخل مروحية إسرائيلية لمحاولة إخلاء الإصابات. عندها استهدفت المقاومة قوة الإخلاء بقذائف المدفعية، ما أدى إلى حالة إرباك واسعة وفرار الجنود من المنطقة. وتعكس هذه العملية تطورًا مهمًا في تكتيكات المقاومة، التي لم تعد تكتفي بضرب الهدف الأساسي، بل باتت تستهدف أيضًا وحدات الإسناد والإنقاذ، الأمر الذي يضاعف الخسائر ويعقّد قدرة العدو على إدارة المعركة ميدانيًا.

كما ركزت المقاومة بشكل واضح على استهداف الآليات العسكرية والهندسية، في محاولة لتعطيل قدرة الاحتلال على التوغل أو تثبيت مواقع جديدة داخل القرى الحدودية. فقد استهدفت آليات "هامر" و"نميرا" وناقلات جند وجرافات عسكرية من نوع D9 في أكثر من محور، بعضها أصيب بشكل مباشر وبعضها شوهد يحترق بعد الاستهداف. ويشير هذا النمط من العمليات إلى أن المقاومة تعمل على إنهاك القدرات اللوجستية والهندسية للعدو، ومنعه من بناء تحصينات أو تثبيت خطوط دفاعية مستقرة داخل المناطق المحتلة.

في المقابل، حاول العدو الإسرائيلي التعويض عن فشله الميداني عبر تصعيد الغارات الجوية والعودة إلى سياسة الاغتيالات واستهداف العمق المدني اللبناني. فشنّ الطيران الحربي عشرات الغارات على قرى الجنوب والبقاع الغربي، مستخدمًا القصف المدفعي والفوسفوري في بعض المناطق، قبل أن يصعّد بشكل غير مسبوق عبر استهداف مبنى سكني في الضاحية الجنوبية لبيروت. ويبدو واضحًا أن هذا التصعيد يهدف إلى ترميم صورة الردع الإسرائيلي أمام جمهوره الداخلي، بعدما فشلت العمليات البرية في تحقيق أي إنجاز حقيقي على الأرض.

لكن رغم هذا التصعيد، تكشف شهادات ضباط العدو وإعلامه حجم الأزمة التي تعيشها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فقد أقرّت وسائل إعلام عبرية بأن حزب الله أعاد بناء قدراته العسكرية بالكامل، وأنه يفرض معادلات اشتباك يومية تربك الجيش الإسرائيلي وتفاجئه باستمرار. كما تحدث قادة ميدانيون إسرائيليون عن العجز في مواجهة المسيّرات الانقضاضية، وعن اضطرار الجنود إلى استخدام بنادق ومدافع بدائية لمواجهتها، في مشهد يعكس حجم الإفلاس التقني والعسكري أمام هذا النوع من السلاح.

وفي موازاة الإخفاق الميداني، تتعمق أزمة الجبهة الداخلية الإسرائيلية بشكل متسارع، خاصة في مستوطنات الشمال التي تعيش حالة شلل شبه كاملة نتيجة الاستنزاف الأمني والخوف المستمر من عمليات المقاومة. كما تتزايد الانتقادات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، مع تصاعد الخلافات بين القيادات الميدانية ورئاسة الأركان، وسط اتهامات متبادلة بالفشل والتنصل من المسؤولية. وتعكس هذه الوقائع أن الحرب لم تعد محصورة في الميدان العسكري فقط، بل تحولت إلى أزمة ثقة داخلية تضرب المجتمع الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية معًا.

سياسيًا، يترافق التصعيد الميداني مع حراك سياسي متشابك، حيث أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان يفاوض عن نفسه، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المسار اللبناني لا ينفصل كليًا عن المسارات الإقليمية الأوسع. كما كشف رئيس مجلس النواب نبيه بري أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أبلغه بأن لبنان سيكون جزءًا من أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، ما يؤكد الترابط بين الساحات الإقليمية المختلفة. وفي المقابل، تتواصل الانقسامات الداخلية اللبنانية، مع استمرار بعض وسائل الإعلام والقوى السياسية في تحميل المقاومة مسؤولية الحرب، متجاهلة العدوان الإسرائيلي المستمر على المدنيين والبنى التحتية.

وبناءً على مجمل المعطيات الميدانية والسياسية، يمكن القول إن يوم السادس من أيار شكّل يوم سقوط جديد للأوهام الإسرائيلية. فالمقاومة أثبتت قدرتها على إدارة حرب استنزاف فعالة تحت سقف التصعيد المفتوح، ونجحت في فرض معادلات ميدانية جديدة تقوم على الاستنزاف الدقيق والمتدرج لقوات الاحتلال. أما الغارات على الضاحية الجنوبية، فلا تعكس قوة إسرائيلية بقدر ما تعبّر عن مأزق حقيقي يعيشه العدو بعد فشله في وقف عمليات المقاومة أو حماية قواته المنتشرة على الحدود. وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبدو أن "حرب المسيّرات" مرشحة لأن تبقى العنوان الأبرز في المرحلة المقبلة، باعتبارها السلاح الأكثر قدرة على استنزاف الاحتلال وضرب توازناته الأمنية والنفسية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور