تشهد الساحة اللبنانية، في سياق العدوان الصهيوني المتواصل على لبنان منذ شهر آذار الماضي، تصعيدًا عسكريًا وأمنيًا يعكس مستوى متقدمًا من التشابك بين البعدين الإقليمي والدولي، حيث يبرز التنسيق الأمريكي - الصهيوني بوصفه الإطار المركزي لإدارة هذا العدوان وتوجيه مساراته السياسية والعسكرية.
ويقوم هذا التنسيق على تقاطع استراتيجي في مجموعة من الأهداف، في مقدمتها تقليص قدرات حزب الله، وإعادة ضبط الدعم الإيراني لحالة التحرّر في لبنان، كما وإعادة هندسة البيئة الأمنية والسياسية بما يضمن إعادة صياغة توازنات القوى في الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة وامتداداتها الإقليمية. ومع ذلك، فإن هذا التقاطع لا يعكس انسجامًا كاملًا في الرؤية أو في أدوات التنفيذ، إذ تكشف مجريات العدوان والتصريحات الرسمية والتحليلات السياسية عن تباينات واضحة بين الطرفين، تتصل بتحديد "الهدف النهائي" للعملية، وبآليات إدارة التصعيد، وبالإيقاع الزمني للمواجهة. فبينما تعتمد الولايات المتحدة مقاربة تقوم على ضبط العدوان ضمن حدود تمنع انفجاره إقليميًا، وتدفع نحو إدارته ضمن مسار طويل الأمد، يتجه الكيان المؤقت إلى مقاربة أكثر حدّة تقوم على الحسم العسكري وإحداث تغيير جذري في ميزان القوى مع حزب الله.
وفي هذه الورقة المرفقة ادناه، تحليل لبنية التنسيق الأمريكي - الصهيوني في الحرب على لبنان، من خلال عرض الأهداف المشتركة، وتحديد التباينات البنيوية وأسبابها.
خاتمة
لا يمكن فهم التنسيق الأمريكي - الصهيوني في حرب لبنان، بوصفه تحالفًا تقليديًا قائمًا على الدعم المتبادل فحسب، بل كإطار مركّب لإدارة صراع متعدّد المستويات، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الجيوسياسية وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فقد أظهرت المعطيات أن الطرفين يلتقيان عند أهداف استراتيجية كبرى، أبرزها تقليص دور حزب الله، تحجيم الدور الإيراني في دعم التحرّر، وإعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية في لبنان، ضمن رؤية تسعى إلى إنتاج استقرار طويل الأمد يتجاوز منطق الجولات العسكرية المتكررة. إلا أن هذا التلاقي في الأهداف لا يلغي وجود تباينات جوهرية في مقاربة تحقيقها، سواء على مستوى تعريف "النجاح" في الحرب، أو في أدوات التنفيذ، أو في إدارة الزمن الاستراتيجي. فبينما يميل الجانب الإسرائيلي إلى منطق الحسم العسكري السريع تحت ضغط التهديد المباشر، تتجه الولايات المتحدة نحو إدارة الصراع ضمن أفق طويل الأمد، يوازن بين احتواء المخاطر وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة. ويعكس هذا التباين اختلافًا بنيويًا في الموقع والدور، وفي طبيعة القيود التي تحكم عملية صنع القرار لدى كل طرف. وعليه، يمكن توصيف العلاقة بين الطرفين بأنها تنسيق استراتيجي محكوم بسقف أمريكي، حيث تحتفظ واشنطن بقدرة حاسمة على ضبط إيقاع الحرب وتحديد حدودها، في حين يتحرك الكيان المؤقت ضمن هذا الهامش سعيًا لتحقيق أهدافها الأمنية المباشرة. وهذا ما يجعل مسار الحرب في لبنان خاضعًا لمنطق "الإدارة المقيدة"، التي تسمح بالتصعيد التكتيكي لكنها تمنع التحوّل إلى حرب شاملة. ومن هنا، فإن الساحة اللبنانية ستبقى ساحة اختبار لهذا التوازن الدقيق بين الشراكة والاختلاف، كما ستظلّ رهينة التفاعل بين القيود الأمريكية والحسابات الإسرائيلية، إلى جانب العوامل الداخلية اللبنانية والتطورات الإقليمية الأوسع.
لتحميل الدراسة من هنا
الكاتب: غرفة التحرير