بدأت نتائج الحرب الأميركية الاسرائيلية على إيران تمتد إلى شبكة التحالفات الدولية التي بنتها واشنطن طوال عقود على قاعدة التفوق العسكري وضمان الإمداد السريع بالسلاح والذخائر. اذ تعكس التقارير الصادرة من مراكز أبحاث أميركية، إلى جانب التسريبات المتعلقة بتأخير تسليمات الأسلحة لحلفاء الولايات المتحدة، أزمة تتجاوز الكلفة المالية المباشرة للحرب، وتفتح نقاشا أوسع حول قدرة واشنطن على إدارة أكثر من جبهة استراتيجية في وقت واحد.
التقديرات التي تحدثت عن استنزاف نسبة كبيرة من مخزون صواريخ توماهوك وباتريوت وثاد باتت تتحدث أيضاً عن تبعات ذلك. اذ أن هذه المنظومات تمثل العمود الفقري للردع الأميركي في آسيا وأوروبا والخليج. وعندما تضطر واشنطن إلى نقل بطاريات دفاعية من كوريا الجنوبية أو إعادة توجيه شحنات كانت مخصصة لحلفائها نحو الشرق الأوسط، فإن الرسالة التي تصل إلى العواصم الحليفة تأخذهم نحو التشكيك بقدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في أوقات الأزمات الكبرى.
المشكلة الأكثر حساسية بالنسبة لواشنطن أن الحرب مع إيران جاءت في مرحلة تشهد أصلاً استنزافاً متواصلاً للقدرات العسكرية الأميركية نتيجة الحرب الأوكرانية، والتوتر مع الصين في المحيط الهادئ، والانتشار العسكري الواسع في عدة مناطق حول العالم. هذا الواقع يفرض ضغطاً هائلاً على المجمع الصناعي العسكري الأميركي الذي يعمل منذ سنوات وفق وتيرة إنتاج تتناسب مع الحروب المحدودة والعمليات الموضعية، وليس مع حروب استنزاف طويلة تحتاج آلاف الصواريخ الاعتراضية والهجومية خلال أسابيع قليلة.
التقارير الأميركية نفسها تشير إلى أن تعويض جزء من المخزون المستهلك يحتاج ما بين أربع وخمس سنوات. هذه المدة طويلة جداً وفق حسابات الأمن الدولي، خاصة في ظل التصعيد المتواصل مع الصين، والتقديرات الغربية التي تتحدث عن احتمالات مواجهة حول تايوان خلال السنوات المقبلة. لهذا السبب بدأ القلق يظهر بوضوح في اليابان وكوريا الجنوبية ودول شرق أوروبا التي تعتمد بشكل شبه كامل على المظلة العسكرية الأميركية.
كما يتمثل التحول الأخطر في اهتزاز صورة الولايات المتحدة كمورد مضمون للسلاح. هذه الصورة شكلت لعقود أحد عناصر النفوذ الأميركي العالمي. اذ أن واشنطن لم تكن تبيع السلاح فقط، إذ كانت تقدم ضمانة سياسية وعسكرية مرتبطة بسرعة الإمداد واستمرارية الدعم أثناء الحروب. أما اليوم، فالتسريبات المتعلقة بتأجيل تسليم أنظمة دفاعية وصواريخ متطورة تطرح أسئلة صعبة داخل الدول الحليفة حول أولوية المصالح الأميركي مقارنة باحتياجات الحلفاء.
هذا القلق بدأ يدفع بعض الدول إلى مراجعة خياراتها الدفاعية. اليابان مثلاً رفعت القيود عن تصدير السلاح وتعمل على تطوير صناعاتها العسكرية بوتيرة أسرع. كما بدأت دول أوروبية تتحدث مجدداً عن ضرورة بناء قدرات دفاعية مستقلة نسبياً عن واشنطن. حتى دول ترتبط بعلاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، مثل سويسرا، بدأت تبحث عن بدائل محتملة لمنظومات أميركية خشية التأخير أو نقص الإمدادات.
من ناحية أخرى، تكشف الأزمة أيضاً حدود القوة الأميركية في الحروب المكلفة. حاولت إدارة ترامب تقديم الحرب على إيران باعتبارها عملية ناجحة انتهت بوقف إطلاق النار، غير أن الكلفة العسكرية الفعلية تطرح صورة مختلفة. إطلاق آلاف الصواريخ عالية الكلفة خلال أسابيع، وتحريك حاملات طائرات ومنظومات دفاعية من عدة قارات، أظهر أن الحفاظ على الهيمنة العسكرية الأميركية يحتاج موارد وإنتاجاً صناعياً يتجاوزان بكثير ما هو متاح حالياً.
تحولت الحرب على إيران بذلك إلى اختبار قاس لقدرة الولايات المتحدة على خوض مواجهة كبيرة دون إضعاف مواقعها في ساحات أخرى. وهي في الوقت نفسه دفعت الحلفاء إلى إعادة التفكير في حقيقة الضمانات الأميركية وحدود الاعتماد الكامل على القوة العسكرية الأميركية في عالم يتجه نحو تنافس دولي أكثر تعقيداً وأقل استقراراً.