يشير التقييم العام للجبهة اللبنانية ليوم الأحد العاشر من أيار/مايو 2026 إلى تصاعد واضح في وتيرة المواجهة بين المقاومة الإسلامية والعدو الإسرائيلي، في ظل انتقال الميدان إلى مرحلة جديدة عنوانها تثبيت معادلة الردع ومنع الاحتلال من فرض أي وقائع عسكرية أو سياسية جديدة على الحدود الجنوبية. وقد برز هذا اليوم بوصفه يوماً مفصلياً من حيث كثافة العمليات ونوعية الأهداف التي جرى استهدافها، إضافة إلى حجم الإرباك الذي أصاب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على المستويين العملياتي والنفسي.
في المشهد العام، بدت المقاومة الإسلامية أكثر قدرة على الإمساك بزمام المبادرة الميدانية، بعدما نفذت أربعاً وعشرين عملية عسكرية نوعية خلال ساعات قليلة، موزعة على أكثر من محور قتالي، ما عكس مستوى عالياً من التنسيق والسيطرة الميدانية. وأظهرت هذه العمليات أن المقاومة لم تعد تكتفي بردود فعل موضعية على الاعتداءات الإسرائيلية، بل انتقلت إلى إدارة معركة استنزاف متدرجة تهدف إلى منع الاحتلال من تثبيت أي تمركز آمن داخل المناطق الحدودية أو في المواقع العسكرية المستحدثة. في المقابل، ظهر جيش الاحتلال في حالة دفاعية واضحة، خصوصاً مع تزايد الاعترافات الإسرائيلية الداخلية بفشل الأهداف المعلنة للحرب، وعدم القدرة على الحد من فعالية سلاح المسيّرات التابع للمقاومة.
وعلى المستوى العملياتي، شكّلت الطائرات المسيّرة الانقضاضية العنصر الأبرز في معركة اليوم، بعدما استخدمت المقاومة هذا السلاح في القسم الأكبر من عملياتها. فقد تمكنت المسيّرات من إصابة تجمعات للجنود والآليات والدبابات ومراكز القيادة والتجهيزات الفنية بدقة كبيرة، ما عكس تطوراً ملحوظاً في تقنيات التوجيه والقدرة على تجاوز الرادارات الإسرائيلية. كما برز تركيز واضح على استهداف مقرات القيادة والسيطرة التابعة لجيش الاحتلال في الخيام والبياضة، في محاولة لتعطيل إدارة المعركة البرية وشل قدرة العدو على التنسيق بين وحداته المنتشرة على طول الجبهة.
كذلك ركزت المقاومة على ضرب الجهد الهندسي الإسرائيلي عبر استهداف جرافات D9 في أكثر من محور، ولا سيما في دير سريان وبنت جبيل، بهدف منع قوات الاحتلال من إنشاء تحصينات أو سواتر ترابية أو فتح طرق ميدانية جديدة. ويكشف هذا النوع من الاستهداف عن إدراك المقاومة لأهمية تعطيل البنية اللوجستية والهندسية التي يعتمد عليها الجيش الإسرائيلي في أي محاولة توغل بري أو تثبيت نقاط عسكرية متقدمة. كما ظهر تطور لافت في إدارة النيران من خلال استخدام تكتيكات مركبة، كما حدث في عملية خلة راج في دير سريان، حيث جرى استهداف تجمع للقوات بالقذائف المدفعية، قبل استهداف قوة الإسناد التي حضرت لسحب الإصابات بواسطة المسيّرات، ما أدى إلى مضاعفة الخسائر وإرباك عمليات الإنقاذ والإخلاء.
في المقابل، واصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة التصعيد الجوي والقصف العشوائي ضد القرى الجنوبية، مع تركيز ملحوظ على بلدات محافظة النبطية وقرى قضائي صور وبنت جبيل. وقد هدفت هذه الغارات إلى ممارسة ضغط نفسي وشعبي على البيئة الحاضنة للمقاومة، إضافة إلى محاولة تدمير البنية الخلفية وخطوط الإمداد. كما كثفت المسيّرات الإسرائيلية نشاطها فوق الطرقات والبلدات الجنوبية، مستهدفة الأهداف المتحركة ومراقبة حركة المدنيين والمقاومين، فيما استمر التحليق المكثف فوق بيروت والضاحية الجنوبية طوال ساعات النهار، في إطار الحرب النفسية ومحاولة فرض حالة استنزاف دائم على الجبهة الداخلية اللبنانية.
أما على المستوى التكتيكي، فقد أظهرت المعركة تحولاً مهماً في طبيعة المواجهة التكنولوجية بين الطرفين. فالمقاومة تمكنت من إدخال الاحتلال في حالة يمكن وصفها بـ"العمى الراداري"، نتيجة استخدام مسيّرات ذات بصمة منخفضة أو موجهة بوسائط يصعب رصدها وتعقبها. وقد أدى ذلك إلى فشل واضح في أداء منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، وعلى رأسها القبة الحديدية، التي تعرضت لانتقادات قاسية بعد نجاح المقاومة في استهداف إحدى بطارياتها. وبدت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عاجزة عن إيجاد حلول فعالة لهذا التهديد، حتى أن بعض الوحدات لجأت إلى استخدام وسائل بدائية مثل الشباك لمحاولة اعتراض المسيّرات، في مشهد عكس حجم الأزمة العملياتية التي يواجهها الجيش الإسرائيلي.
وترافقت هذه التطورات مع تصاعد الانتقادات داخل كيان الاحتلال، حيث أقر مسؤولون وجنرالات سابقون بفشل الرهانات الإسرائيلية على حسم المعركة أو القضاء على قدرات المقاومة. فقد أكد رئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك أن الحديث عن سحق حزب الله بات وهماً سياسياً وعسكرياً، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن عودة "معادلات الردع" التي فرضتها المقاومة على الجبهة الشمالية. كما كشفت تقارير عبرية عن حالات خوف وإرباك واسعة بين الجنود والمستوطنين، مع شعور متزايد بانعدام الأمان نتيجة الضربات الدقيقة التي تنفذها المسيّرات الانقضاضية.
وفي الخلاصة، يمكن اعتبار هذا اليوم محطة بارزة في مسار المواجهة القائمة، بعدما نجحت المقاومة الإسلامية في فرض إيقاعها العملياتي بشكل شبه كامل، وتكريس معادلة ميدانية جديدة قائمة على الاستنزاف المتواصل وإسقاط فعالية التفوق التكنولوجي الإسرائيلي. كما أظهرت المعركة أن جيش الاحتلال بات عاجزاً عن تأمين قواعده وتحركاته وحتى قواته الخلفية، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والعسكرية داخل الكيان. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن الجبهة اللبنانية تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تواصل المقاومة تعزيز قدرتها على فرض وقائع ميدانية جديدة، مقابل تعثر إسرائيلي متزايد في تحقيق أي إنجاز استراتيجي حاسم.
الكاتب: غرفة التحرير