الإثنين 11 أيار , 2026 03:09

محور المقاومة: من الردع التقليدي إلى الردع الشبكي متعدد الساحات

أعلام دول محور المقاومة

تشهد المنطقة تحوّلًا متسارعًا في طبيعة الصراعات وآليات إدارتها، في ظلّ تراجع نماذج الحرب التقليدية وصعود أنماط جديدة تقوم على التشابك الإقليمي وتداخل الجبهات. فلم تعد المواجهات العسكرية محصورة بحدود جغرافية ضيقة أو مرتبطة بساحة واحدة، بل بات أي تصعيد في منطقة ما قابلًا للتمدد والتأثير على مسارات متعددة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وفي هذا السياق، برزت معادلات ردعية جديدة فرضتها التحولات الميدانية خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع اتساع نطاق الاشتباك بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، ومحور المقاومة من جهة أخرى، بما أعاد صياغة مفهوم الردع الإقليمي وأدواته.

لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن منطق "وحدة الساحات" لم يعد مجرد خطاب سياسي أو إعلامي، بل تحوّل إلى واقع عملي قائم على الترابط العملياتي والتنسيق بين عدة جبهات. فالمواجهة لم تعد تُقاس بقدرة طرف على حسم معركة في ساحة محددة، بل بقدرته على إدارة شبكة من الضغوط المتبادلة التي تُربك الخصم وتمنعه من تركيز قوته في اتجاه واحد. ومن هنا، باتت أي حرب محتملة تحمل خطر التحول إلى مواجهة إقليمية واسعة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الدولية.

هذا التحول انعكس بصورة واضحة على طبيعة الردع في المنطقة، حيث لم يعد الردع قائمًا فقط على امتلاك القوة العسكرية التقليدية أو التفوق التكنولوجي، بل على القدرة على توزيع التهديدات وتوسيع نطاق الاشتباك ورفع الكلفة على الخصم في أكثر من مستوى. فإلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة، دخلت عناصر جديدة إلى معادلة الردع، مثل تهديد الممرات البحرية، واستنزاف الدفاعات الجوية، وتعطيل الاقتصاد، والضغط النفسي على الجبهة الداخلية، ما جعل أي قرار بالحرب أكثر تعقيدًا وأشد كلفة من السابق.

وفي ظل هذه البيئة، باتت الولايات المتحدة و"إسرائيل" تواجهان معضلة استراتيجية تتمثل في صعوبة احتواء المواجهة ضمن حدود جغرافية أو عسكرية ضيقة. فكل تحرك عسكري ضد ساحة معينة قد يؤدي إلى فتح جبهات موازية واستدعاء ردود فعل من أطراف متعددة، الأمر الذي يقيّد هامش المناورة ويجعل خيار التصعيد محفوفًا بمخاطر التوسع والاستنزاف. كما أن هذا الواقع فرض على القوى الإقليمية والدولية إعادة النظر في حساباتها، بعدما أصبح من الصعب الفصل بين المسارات العسكرية والسياسية والاقتصادية ضمن أي مواجهة كبرى.

في المقابل، أظهرت قوى محور المقاومة قدرة متزايدة على توظيف هذا الترابط الإقليمي في بناء معادلة ردعية مركّبة، تقوم على مبدأ توزيع الأدوار وتكامل الضغوط بين الساحات المختلفة. فبدل الاعتماد على مركز واحد للقرار أو المواجهة، برز نمط جديد من العمل المشترك يقوم على المرونة والتنسيق وتعدد أدوات التأثير، بما يسمح بإرباك الخصوم واستنزاف قدراتهم على أكثر من جبهة وفي أكثر من مجال.

ولا يقتصر أثر هذه المعادلات على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى البعد السياسي والنفسي والاقتصادي. فحالة القلق داخل الجبهة الداخلية الإسرائيلية، والضغوط التي تتعرض لها الإدارة الأمريكية لتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة، تكشفان أن الردع لم يعد مرتبطًا فقط بالخسائر العسكرية المباشرة، بل أيضًا بقدرة الأطراف على التأثير في الاستقرار الداخلي والاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة. وهذا ما جعل المنطقة تدخل مرحلة جديدة من التوازنات الدقيقة، حيث يصبح منع الحرب أحيانًا نتيجة الخوف من اتساعها، لا نتيجة غياب القدرة على خوضها.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن المنطقة تشهد إعادة تشكيل فعلية لقواعد الاشتباك، في ظل انتقال الصراع من نموذج المواجهة الثنائية إلى نموذج الصراع الشبكي متعدد الساحات. فالتشابك القائم بين الجبهات المختلفة، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، جعلا أي مواجهة مفتوحة مرشحة للتحول إلى أزمة إقليمية واسعة يصعب التحكم بمساراتها ونتائجها. وفي هذا الإطار، تبدو معادلات الردع الجديدة أكثر ارتباطًا بإدارة الاستنزاف وتوزيع الضغط ومنع الحسم السريع، بدل الاعتماد على التفوق العسكري التقليدي وحده.

وبذلك، لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية أو القدرة التدميرية، بل أيضًا بالقدرة على فرض معادلات سياسية وأمنية تجعل كلفة الحرب أعلى من مكاسبها المحتملة. وهذا ما يفسّر حالة الحذر المتبادل التي تحكم سلوك مختلف الأطراف، رغم استمرار التصعيد والتوترات الميدانية، إذ بات الجميع يدرك أن أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية شاملة تتجاوز حدود السيطرة التقليدية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور