مرة جديدة، يقوم الجنوب اللبناني ليبتلع جنود الاحتلال الإسرائيلي، بالصواريخ، والخوف، والمسيرات. هناك، حيث ظنّ العدو أنه يستطيع فرض معادلات جديدة بالقوة والنار، وجد نفسه اليوم محاصرًا بمسيّرات المقاومة، عاجزًا حتى عن حماية جنوده أو تأمين حركتهم. حيث ابتكر الاحتلال مناصب جديدة في جيشه وعيّن بضعة جنود لمراقبة السماء فقط، لرصد أي مسيرة قادمة في الأفق -إذا استطاعوا-، وجنود آخرين لنصب دمى عسكرية "لخداع الطائرات المسيّرة"، فيما يتحدث الإعلام العبري عن "كابوس" و"ارتباك" وغياب أي حل. لتُعاد الكرة ويغرق الجيش مجددًا في وحل الجنوب، تمامًا كما حدث في الثمانينات، حين تحولت عمليات المقاومة النوعية إلى استنزاف طويل انتهى بانسحاب الاحتلال مهزومًا يجر خيبته خلفه.
ما تنشره القنوات العبرية اليوم يحمل دلالات كبيرة، فعندما تكشف قناة "كان" العبرية أن الجنود الإسرائيليين يستخدمون دمى بلباس عسكري داخل المنازل والمواقع لخداع المسيّرات التابعة لحزب الله، فهذا لا يعكس "تكتيكًا ذكيًا"، بل يعكس حجم الخوف الذي بات يسيطر على الجنود. فالجيش الذي يدّعي "التفوق العسكري والتكنولوجي" يجد نفسه مضطرًا لاستخدام وسائل بدائية لتقليل خسائره البشرية، في مواجهة مقاومة فرضت عليه معادلات جديدة في الميدان.
الأخطر بالنسبة للاحتلال أن الإعلام الإسرائيلي نفسه بات يعترف بفقدان القدرة على مواجهة هذا التهديد. القناة 12 نقلت عن جندي احتياط قوله إنهم "لا يجدون حلولاً يفعلونها حيال المسيّرات"، وإن أحد الجنود يبقى طوال الوقت يراقب السماء. هذه الشهادة وحدها تختصر حجم الأزمة. فالجندي الذي يُفترض أن يكون في حالة هجوم بالميدان، تحوّل إلى عنصر دفاعي يعيش تحت ضغط دائم، يترقب الموت من الجو في أي لحظة.
ولم تعد المسيّرات مجرد سلاح "مزعج" بالنسبة لجيش الاحتلال كما صنفها سابقاً، بل أصبحت، باعتراف القناة 12 نفسها، "السلاح المركزي لحزب الله"، مع إقرار واضح بعدم وجود حل ميداني فعّال لها. وهذا الاعتراف يحمل دلالة استراتيجية خطيرة، لأنه يعني أن المقاومة استطاعت نقل المعركة إلى مرحلة جديدة، لم تعد فيها تعتمد فقط على الصواريخ التقليدية، بل على أدوات استنزاف دقيقة وفعالة تشلّ حركة العدو وتستنزف أعصابه وإمكاناته.
أما الحديث الإسرائيلي عن "كابوس المسيّرات"، وحالة "الارتباك والقلق" داخل صفوف الجنود، فيؤكد أن المقاومة نجحت في فرض بيئة قتالية معقدة على الاحتلال. فالعدو الذي كان يملك حرية الحركة الجوية المطلقة، أصبح اليوم محاصرًا بالخوف حتى داخل المواقع التي يعتقد أنها آمنة. ووصل الأمر إلى حدّ تعطّل مروحية إسرائيلية في جنوب لبنان بسبب شبكة وضعها الجنود لمواجهة المسيّرات، حيث استمرت عملية إنقاذها حتى الصباح في جو من الخوف من استهداف جديد للمقاومة.
هذه الوقائع تعيد إلى الأذهان البدايات الأولى للمقاومة الإسلامية في لبنان خلال الثمانينات، حين بدأ حزب الله بعمليات نوعية أربكت الاحتلال وأفقدته السيطرة التدريجية على احتلال الجنوب. يومها حاولت "إسرائيل" التقليل من شأن عمليات المقاومة، قبل أن تتحول تلك العمليات إلى استنزاف يومي أجبرها في النهاية على الانسحاب مهزومة وهي تجر خلفها خيبة المشروع العسكري والسياسي.
اليوم، يتكرر المشهد ولكن بأدوات أكثر تطورًا وخبرة أكبر. فالمقاومة التي راكمت قدرات عسكرية وتقنية على مدى عقود، باتت تدير معركة استنزاف ذكية، تقوم على إنهاك الجنود نفسيًا وعسكريًا، وتحويل وجودهم في الجنوب إلى عبء دائم. وهذا ما يفسر تصاعد الاعترافات الإسرائيلية بالفشل، والحديث المتكرر عن "الفخ" و"الكابوس" وغياب الحلول.
ولهذا الواقع تداعيات عديدة لا تقتصر على الميدان فقط، بل تمتد إلى الداخل الإسرائيلي نفسه. فكلما طال أمد الاستنزاف، ازدادت الضغوط على القيادة السياسية والعسكرية، وارتفعت الأسئلة داخل المجتمع الإسرائيلي حول جدوى البقاء في مواجهة مفتوحة مع مقاومة أثبتت أنها قادرة على التكيّف والتطوير وفرض معادلات ردع جديدة.
في جنوب لبنان، يواجه الاحتلال اليوم المقاومة التي يخشاها والتي صنعت هزيمته سابقًا. ومع كل مسيّرة تستهدف تجمعات للاحتلال، وكل عملية تربك حساباته، يزداد وضوح حقيقة واحدة: الإسرائيلي يغرق مجددًا في وحل الجنوب.
الكاتب: زهراء نعيم