الثلاثاء 12 أيار , 2026 02:20

الاستنزاف البشري لجيش الاحتلال.. تصاعد الخسائر وتآكل الردع

جنود إسرائيليون ومسيرات

يكشف مسار المواجهة على الجبهة اللبنانية منذ إعلان الهدنة أنّ جيش الاحتلال دخل مرحلة استنزاف بشري وميداني متصاعدة، لم تنجح معها محاولات التعتيم الإعلامي أو القيود الرقابية في إخفاء حجم الخسائر المتراكمة. فمنذ منتصف نيسان وحتى الحادي عشر من أيار 2026، تكرّرت الحوادث الأمنية والعمليات النوعية التي استهدفت القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان وعلى امتداد الحدود الشمالية، ما عكس تحوّل الميدان إلى بيئة استنزاف مفتوحة تُرهق الجيش الإسرائيلي نفسيًا وعسكريًا وتفرض عليه معادلات جديدة تتجاوز إطار "الاحتواء" الذي حاولت تل أبيب الترويج له بعد الهدنة.

وخلال هذه الفترة، توزّعت خسائر الاحتلال بين قتلى وجرحى وإصابات خطرة ناجمة عن العبوات الناسفة والطائرات المسيّرة الانقضاضية والصواريخ الموجّهة، إلى جانب الحوادث العملياتية التي ارتبط معظمها بعجز القوات الإسرائيلية عن التعامل مع طبيعة التهديدات الجديدة. وقد برزت العبوات المزروعة داخل القرى الجنوبية كأحد أبرز عوامل الاستنزاف، بعدما أوقعت قتلى وجرحى في صفوف الوحدات المتقدّمة، خصوصًا في بلدات الجبين وكفركلا، حيث أقرّ جيش الاحتلال بمقتل عدد من الجنود والضباط وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، بعضها خطير جدًا.

لكن التطور الأبرز تمثّل في تصاعد دور المسيّرات المفخخة التابعة للمقاومة، والتي تحوّلت إلى مصدر قلق أساسي داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فالهجمات المتكررة بالمحلّقات الانقضاضية لم تعد تقتصر على استهداف الآليات والتحركات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، بل امتدت إلى مواقع ومنظومات عسكرية داخل عمق الجبهة الشمالية، بما فيها بطاريات القبة الحديدية والمراكز العسكرية الخلفية. وأظهرت التقارير الإسرائيلية أنّ هذه المسيّرات نجحت في اختراق الدفاعات الجوية والوصول بدقة إلى أهداف حساسة، الأمر الذي دفع ضباطًا وجنودًا إسرائيليين إلى الاعتراف بغياب الحلول الفعّالة لمواجهتها.

وفي موازاة الخسائر المباشرة، بدأت تتكشف ملامح أزمة معنوية داخل صفوف الجيش الإسرائيلي. فشهادات الجنود ووسائل الإعلام العبرية أظهرت حالة خوف وإرباك متزايدة لدى القوات المنتشرة في الشمال، خصوصًا مع تكرار الهجمات الجوية الدقيقة واعتماد المقاومة على عنصر المفاجأة. وتحدث جنود احتياط عن شعور دائم بالعجز، مؤكدين أنّ الوسائل المستخدمة لحمايتهم من المسيّرات لا تتجاوز "شباك صيد" وتجهيزات بدائية، في وقت تعجز فيه المنظومات الدفاعية الإسرائيلية عن اعتراض الأهداف الصغيرة والمنخفضة الارتفاع. كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أنّ بعض الجنود باتوا يرفضون الالتحاق بالخدمة على الحدود الشمالية بسبب انعدام الشعور بالأمان.

هذا الواقع الميداني انعكس أيضًا على الجبهة الداخلية في المستوطنات الشمالية، حيث تصاعدت الانتقادات ضد حكومة الاحتلال والقيادة العسكرية. فقد تحدّث مستوطنون عن شعورهم بالخداع بعد الوعود الحكومية بإعادة الأمن إلى الشمال، بينما تستمر صفارات الإنذار وحوادث التسلل الجوي والضربات الدقيقة ضد المواقع العسكرية. كما اتهمت أصوات إسرائيلية الحكومة بإخفاء حجم الخسائر الحقيقية وفرض رقابة على العديد من الأحداث الأمنية، في محاولة لمنع انهيار المعنويات وتوسّع حالة الذعر داخل المستوطنات الحدودية.

وفي البعد العسكري، أظهرت المعطيات أنّ المقاومة نجحت في فرض نمط قتال يقوم على الاستنزاف المتدرج بدل المواجهة التقليدية الواسعة. فعمليات الاستهداف اليومية والمتكررة، حتى وإن كانت محدودة نسبيًا من حيث الحجم، راكمت ضغطًا متواصلاً على القوات الإسرائيلية وأجبرت الجيش على استنزاف قدراته البشرية واللوجستية بصورة دائمة. كما بدا واضحًا أنّ المقاومة تستفيد من الجمع بين العمل الميداني المباشر والحرب النفسية والإعلامية، عبر نشر مشاهد توثّق إصابة الآليات والقواعد العسكرية وإظهار حالة الإرباك داخل صفوف الجنود الإسرائيليين، ما ضاعف من تأثير العمليات ميدانيًا ومعنويًا.

وتشير الأرقام الإسرائيلية المعلنة، رغم محدوديتها، إلى تصاعد واضح في أعداد الإصابات منذ تجدد القتال في آذار الماضي، مع اعتراف رسمي بمئات الجرحى وعشرات الإصابات الخطرة في الجبهة الشمالية. إلا أنّ العديد من التقارير العبرية تحدثت عن وجود خسائر إضافية لا يُكشف عنها للرأي العام، سواء لأسباب رقابية أو خشية من تأثيرها على الجبهة الداخلية. وقد أقرّ ضباط في القيادة الشمالية بوجود "حوادث متعددة" لا يتم الإعلان عنها، ما يعزز التقديرات بأن حجم الاستنزاف الفعلي يتجاوز بكثير ما تسمح المؤسسة العسكرية بنشره رسميًا.

في المحصلة، تكشف الوقائع الميدانية أنّ الجبهة اللبنانية تحوّلت إلى نقطة استنزاف مزمنة لجيش الاحتلال، في ظل عجز واضح عن فرض معادلة ردع مستقرة أو تأمين حماية فعّالة للقوات المنتشرة شمالًا. كما أنّ تصاعد فعالية المسيّرات والعبوات والهجمات الدقيقة يعكس تطورًا متزايدًا في تكتيكات المقاومة وقدرتها على إدارة مواجهة طويلة النفس تستنزف الاحتلال تدريجيًا. وبينما تحاول تل أبيب احتواء التداعيات عبر التعتيم الإعلامي والرقابة العسكرية، فإن مسار الأحداث يوحي بأنّ أزمة الشمال الإسرائيلي تتجه نحو مزيد من التعقيد، مع استمرار المقاومة في فرض معادلات ميدانية ونفسية جديدة على طول الجبهة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور