اتّسم المشهد العام في الجبهة اللبنانية بسيطرة واضحة لسلاح المسيّرات الانقضاضية على مجريات المعركة، بعدما نفذت المقاومة عشرين عملية نوعية خلال يوم واحد، معظمها باستخدام طائرات FPV والأسراب المسيّرة، في مؤشر إلى اعتماد استراتيجية الضربات الجراحية الدقيقة التي تستهدف نقاط الضعف المباشرة لدى جيش الاحتلال، خصوصاً الآليات الهندسية والتجمعات العسكرية وغرف القيادة المستحدثة. هذا التحول عكس قدرة المقاومة على تطوير أدواتها القتالية وتجاوز محاولات الاحتلال لتقويض بنيتها العسكرية خلال الأشهر الماضية.
وبرز خلال هذا اليوم تكتيك "الضربات المتتالية" أو الكمائن المركبة، وخصوصاً في بلدة الطيبة، حيث استهدفت المقاومة قوة إسرائيلية متمركزة داخل أحد المنازل، ثم عادت لاستهداف قوات الإخلاء والإسناد التي حاولت التدخل، ما أدى إلى استدعاء مروحية عسكرية إسرائيلية للإخلاء تحت غطاء ناري ودخاني كثيف. هذا النمط من العمليات كشف حجم الضغط الذي تتعرض له قوات النخبة الإسرائيلية في الخطوط الأمامية، وأظهر قدرة المقاومة على إدارة الاشتباك ميدانياً بطريقة تستنزف العدو بشرياً ونفسياً في آن معاً.
في المقابل، بدا واضحاً أن الاحتلال الإسرائيلي يواجه أزمة متفاقمة في القدرة على المناورة البرية خلال ساعات النهار، بعدما تحولت تحركات جنوده وآلياته إلى أهداف سهلة للمُحلّقات الانقضاضية. لذلك اتجه الجيش الإسرائيلي إلى اعتماد التموضع الدفاعي داخل القرى الحدودية المتقدمة، مع تقليص عدد القوات المنتشرة في بعض المحاور، ولا سيما في البياضة، في محاولة للحد من الخسائر الناتجة عن الاستهدافات اليومية المتواصلة. كما اقتصر النشاط البري الإسرائيلي بشكل كبير على محاولات تحصين المواقع المستحدثة بواسطة الجرافات والآليات الهندسية التي استهدفتها المقاومة تباعاً.
ورغم كثافة الغارات الجوية والقصف المدفعي الإسرائيلي الذي طال مناطق واسعة في النبطية وصور وبنت جبيل والبقاع الغربي، إلا أن هذا التصعيد بدا أقرب إلى محاولة تعويض عن العجز البري أكثر منه تحقيق إنجاز ميداني فعلي. فالاحتلال كثّف استهداف القرى والمناطق المدنية عبر الطيران الحربي والمسيّرات والقصف المدفعي، في وقت لم يتمكن فيه من استعادة حرية الحركة لقواته البرية أو وقف عمليات المقاومة المتصاعدة.
على مستوى التكتيكات، أظهرت المقاومة اعتماداً متزايداً على اللامركزية والقتال عبر مجموعات صغيرة مستقلة قادرة على تشغيل المُحلّقات من أكثر من محور، ما صعّب على الاستخبارات الإسرائيلية اكتشاف منصات الإطلاق أو إحباط العمليات مسبقاً. كما استفادت المقاومة من فترة وقف إطلاق النار لتطوير قدراتها التقنية وتوسيع بنك أهدافها، مستفيدة من الثغرات الرادارية الإسرائيلية والمساحات التي يصعب على منظومات الرصد التقليدية تغطيتها.
في الوقت نفسه، لعب الإعلام الحربي دوراً محورياً في إدارة الحرب النفسية، من خلال نشر مشاهد مصورة توثق استهداف الجنود والآليات والمراكز القيادية الإسرائيلية، إضافة إلى مشاهد فرار بعض الوحدات الخاصة ومحاولات الإخلاء الفاشلة. وقد ساهم ذلك في تعميق صورة الإرباك داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً مع تزايد الاعترافات الإعلامية والعسكرية بفشل الحلول الدفاعية المطروحة لمواجهة خطر المُحلّقات الانقضاضية.
الأزمة الأكبر التي واجهها الاحتلال خلال هذا اليوم تمثلت في العجز عن إيجاد حل فعّال لسلاح المُحلّقات، بعدما تحولت هذه الطائرات الصغيرة والرخيصة إلى كابوس عملياتي حقيقي يهدد حرية حركة القوات البرية ويقوّض فعالية المنظومات الدفاعية الإسرائيلية. وقد كشفت إذاعة جيش الاحتلال أن المؤسسة العسكرية تحقق في واحدة من أخطر الضربات التي استهدفت بطارية للقبة الحديدية، في اعتراف نادر بحجم الاختراق الذي أحدثته المقاومة في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية.
كما عكست تصريحات المسؤولين والجنرالات الإسرائيليين حالة واضحة من التخبط والقلق. فقد شبّه بعض السياسيين الإسرائيليين الجنود بأنهم “كالبط في ميدان للرماية”، فيما انتقد مسؤولون عسكريون لجوء الجيش إلى وسائل بدائية مثل الشباك الحديدية وشباك الصيد لحماية الجنود والآليات من المسيّرات، في صورة بدت محرجة لجيش يوصف بأنه من الأكثر تطوراً تكنولوجياً في العالم. كذلك أقر محللون إسرائيليون بأن الحلول المطروحة لا تزال جزئية ومرتجلة، وأن أي معالجة تقنية للمُحلّقات قد تقابلها المقاومة بتهديدات جديدة وأكثر تعقيداً.
وفي الخلاصة، أظهر يوم الإثنين 11 أيار أن المقاومة الإسلامية نجحت في فرض معادلة اشتباك جديدة تقوم على السيطرة التكتيكية والاستنزاف المستمر، مستفيدة من سلاح المُحلّقات لتقويض التفوق التكنولوجي والجوي الإسرائيلي. في المقابل، بدا جيش الاحتلال عالقاً في حالة دفاعية متزايدة، عاجزاً عن تحقيق تقدم ميداني فعلي أو استعادة زمام المبادرة، فيما تتزايد الضغوط السياسية والعسكرية على قيادته مع اتساع دائرة الإخفاقات العملياتية على الجبهة اللبنانية. لقد كرّس هذا اليوم حقيقة أن ساحة الجنوب لم تعد بيئة آمنة للقوات الإسرائيلية، وأن المقاومة باتت تمتلك القدرة على فرض معادلات ردع جديدة تتجاوز حدود الدفاع التقليدي نحو التحكم المباشر بإيقاع المواجهة.
الكاتب: غرفة التحرير