الثلاثاء 12 أيار , 2026 04:11

النفط يتفوق على الديمقراطية

الديمقراطية الأميركية لا تصمد أمام النفط

لطالما قدّمت الولايات المتحدة نفسها للعالم بوصفها “حامية الديمقراطية” و”نصيرة الشعوب”، لكنّ الوقائع تكشف في كل مرة أن هذه الشعارات ليست سوى أدوات تُستخدم عند الحاجة، ثم تُرمى جانبًا عندما تتعارض مع المصالح الأميركية. وما يجري اليوم في فنزويلا يقدّم نموذجًا صارخًا لهذا النفاق السياسي؛ فواشنطن التي خنقت كاراكاس لسنوات بالعقوبات تحت عنوان “الدفاع عن الديمقراطية”، عادت اليوم لتفتح أبواب الاستثمار النفطي، وتتقارب مع السلطة نفسها التي كانت تصفها بالاستبدادية، فقط لأن النفط أصبح أولوية.
المفارقة الفاضحة أن إدارة ترامب كانت قبل أشهر تتحدث عن “تحرير فنزويلا” وضرورة إجراء انتخابات ديمقراطية، لكنها اليوم ترسل مسؤوليها إلى كاراكاس لعقد صفقات النفط والتعدين مع شخصيات من صلب النظام السابق نفسه. فجأة، لم تعد الديمقراطية مسألة ملحّة، ولم تعد “حقوق الشعب الفنزويلي” أولوية، بل بات الحديث يدور حول “الاستقرار” و”إعادة بناء الاقتصاد” و”تسهيل الاستثمار”. بمعنى أوضح؛ حين تحتاج أميركا النفط، توضع "الديمقراطية" جانباً.. هذا التحول ليس استثناءً في السياسة الأميركية، بل هو القاعدة الأساسية. فالولايات المتحدة لم تكن يومًا معنية فعليًا بالديمقراطية إلا بقدر ما تخدم نفوذها. فهي التي دعمت انقلابات عسكرية في أميركا الجنوبية، وغزت دولًا كاملة بذريعة “نشر الحرية”، ثم تركتها غارقة بالفوضى والدمار. وفي كل مرة كانت المصالح الاقتصادية والنفطية والأمنية هي المحرك الحقيقي خلف الخطاب الأخلاقي المزيّف.
في فنزويلا تحديدًا، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فبعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وتعطل جزء من إمدادات الطاقة، وجدت واشنطن نفسها بحاجة إلى بدائل نفطية سريعة. هنا، اختفت لغة العقوبات والتصعيد، وبدأت الوفود الأميركية تتدفق إلى كاراكاس لتوقيع اتفاقيات مع شركات النفط. حتى المسؤول الأميركي جارود أجين، الذي زار فنزويلا مؤخرًا، تحدث بوضوح عن “مرحلة الاستقرار” وضرورة “تدفق الأموال والاستثمارات”، فيما تم تأجيل الحديث عن الانتخابات إلى وقت غير محدد. أي أن الديمقراطية أصبحت بندًا مؤجلًا.
الأخطر أن الولايات المتحدة لا تكتفي بتجاوز شعاراتها، بل تحاول دائمًا تلميع هذا التناقض باعتباره “مرحلة انتقالية”. لكن التجارب السابقة تثبت العكس تمامًا؛ فواشنطن غالبًا ما تدعم أي سلطة تضمن مصالحها، ثم تستخدم ملف حقوق الإنسان فقط للضغط والابتزاز عندما تتمرد هذه الأنظمة على الإرادة الأميركية.
ولهذا، فإن الحديث الأميركي عن “القيم” لم يعد يقنع أحدًا. فكيف يمكن لدولة تدعم الاحتلال الإسرائيلي بكل جرائمه في غزة ولبنان، وتفرض حصارات تخنق الشعوب، ثم تتحدث عن حقوق الإنسان؟ وكيف يمكن لدولة غزت العراق بحجة الديمقراطية ثم دمّرت مؤسسات الدولة وأغرقت المنطقة بالفوضى، أن تدّعي الحرص على حرية الشعوب؟
الحقيقة التي باتت واضحة أن واشنطن تنظر إلى العالم بعقلية السوق. الدول بالنسبة لها ليست شعوبًا وحقوقًا وسيادة، بل حقول نفط وممرات بحرية وأسواق واستثمارات. وإذا تعارضت الديمقراطية مع المصالح، فإن الديمقراطية تُدفن فورًا تحت أقدام الشركات النفطية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور