الأربعاء 13 أيار , 2026 03:35

"أساليب الحرب" تدخل طور التحوّل: دروس من الحرب الإيرانية

زورق حربي سريع تابع لحرس الثورة الإسلامية

يشرح ضابط الاستخبارات البريطاني السابق أليستر كروك، في هذا المقال الذي نشره موقع " Strategic culture" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، كيف أدّى نموذج الجمهورية الإسلامية العسكري اللامتماثل في مواجهة العدوان الصهيوأمريكي عليها، الى قلب العقائد التقليدية رأساً على عقب، بحيث تحوّلت ميزة هيمنة الدولار عسكرياً إلى عبء، وليس عنصر تفوّق. وهو الأمر الذي تجلّى أيضاً في جنوبي لبنان، حيث فرضت المقاومة الإسلامية – حزب الله خسائر قاسية على الدبابات والقوات الإسرائيلية، إلى حدّ قد يُجبر جيش الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من الجنوب. حتى أن كروك اختصر الواقع الجديد بالقول بأن حاملة الطائرات الأمريكية لم تعد "تبثّ الرهبة كما في السابق؛ بل باتت تشعّ بالهشاشة".

النص المترجم:

رغم أنّ الحرب الإيرانية جرى النظر إليها إلى حدّ كبير من خلال عدسة الحرب الغربية التقليدية، فإنّ دروسها كانت أبعد ما تكون عن التقليدية. فهي، في الواقع، ذات طابع تمرّدي/ثوري.

لقد اعتمد النهج الغربي بعد الحرب العالمية الثانية (وخاصة في سياق الحرب الباردة) على القدرة على إنفاق أموال تفوق أي خصم عسكري، من خلال امتلاك طائرات مأهولة وذخائر عالية الكلفة، فائقة التعقيد الهندسي، ومتطوّرة للغاية. وكانت الهيمنة على المجال الجوي، والاعتماد الكثيف على القصف الجوي، أي "الحرب الجوية"، هي الغاية العقائدية النهائية.

وكان التفوّق في حجم الإنفاق (إلى جانب ما اعتُبر تفوّقاً تقنياً وابتكارياً) يُنظر إليه باعتباره العنصر الحاسم في المواجهة مع الاتحاد السوفياتي.

وبالمثل، اتّجهت العقيدة البحرية نحو الاستثمار في حاملات طائرات أكبر فأكبر، ومعها طبقات كاملة من سفن الدعم البحري المرافقة.

أما في الحرب البرية، فقد تمحور الثقل في حرب العراق "عاصفة الصحراء" حول الدبابات التي "تخترق" وتندفع عبر خطوط دفاع الخصم. غير أنّ هذا النهج تخلّت عنه الدول الغربية في أوكرانيا، بعد التحوّل إلى "حرب الخنادق" التي تقودها المسيّرات في خطوط الجبهة خلال القرن الحادي والعشرين.

إنّ نهج "التفوّق عبر الإنفاق" خدم كلاً من المجمّع الصناعي العسكري الأمريكي، وهيمنة الدولار الأمريكي، إذ منح الولايات المتحدة ميزة فريدة تمثّلت في قدرتها الفعلية على "طباعة" الأموال اللازمة لتغطية هذه النفقات العسكرية الباهظة.

ثم جاءت الحرب الإيرانية عام 2026، بنموذجها اللامتماثل الذي قلب العقائد التقليدية رأساً على عقب.

فبدلاً من السعي إلى الهيمنة الجوية التقليدية، اتّجهت إيران نحو فرض هيمنة صاروخية متقدّمة على المجال الجوي.

وبدلاً من البنية التحتية العسكرية المكشوفة على سطح الأرض، جرى توزيع ترسانات الصواريخ ومنصات الإطلاق وجزء كبير من الإنتاج الصاروخي على امتداد الجغرافيا الإيرانية الشاسعة، ودفنها عميقاً داخل "مدن صاروخية" تحت الأرض وفي السلاسل الجبلية.

غير أنّ التحوّل الأهم في المقاربة اللامتماثلة تمثّل في ظهور مكوّنات تكنولوجية رخيصة ومتاحة بسهولة. ففي حين كانت الدول الغربية تنفق ملايين الدولارات على كل صاروخ اعتراض، كانت إيران وحلفاؤها ينفقون مئات الدولارات فقط.

وهكذا، تحوّلت ميزة هيمنة الدولار إلى عبء. فالكلفة المتضخّمة للذخائر الأمريكية وتعقيدها الهندسي الفائق أدّيا إلى خطوط إمداد متصلّبة، ودورات إنتاج طويلة، ومخزونات سلاح محدودة.

كما أنّ ما يُفترض أنّه تفوّق تكنولوجي أمريكي بدأ يتراجع أمام الابتكارات التي تخرج من "الكراجات" و"الورش الصغيرة" باستخدام مكوّنات تقنية زهيدة الثمن. إذ يجري تطوير الابتكارات هناك، ثم تلتقطها "السلطات العسكرية" بعد اختبارات غير رسمية لتوسيع استخدامها على نطاق واسع.

ويتجلّى هذا التوجّه بوضوح داخل الجيش الروسي، حيث جرى اختبار تقنيات ابتدأت في "الكراجات"، ثم اعتمادها ضمن البنية العسكرية الواسعة. وينطبق ذلك على العتاد التقني كما على الابتكارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت.

وعلى المنوال نفسه، فإنّ ابتكار حزب الله للطائرات المسيّرة التي تُقاد عبر الألياف الضوئية غيّر طبيعة الحرب في جنوب لبنان، فارضاً خسائر قاسية على الدبابات والقوات الإسرائيلية، إلى حدّ قد يُجبر جيش الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من الجنوب.

وبالمثل، فإنّ اللامتماثلية والابتكار في الحروب البحرية يقلبان أيضاً الاعتماد الغربي التقليدي على السفن الضخمة الثقيلة وحاملات الطائرات. فقد تحوّلت هذه الأخيرة إلى "فيلة بيضاء" في حرب الخليج الفارسي، بعدما دفعتها أسراب المسيّرات وتهديدات الصواريخ المضادة للسفن بعيداً جداً عن السواحل الإيرانية، بحيث أصبحت الطائرات الهجومية المنطلقة من على متنها محدودة الفاعلية بسبب حاجتها إلى التزوّد بالوقود من طائرات صهريج فوق الأهداف.

إنّ رؤية "أسراب" فعلية من عشرات الزوارق السريعة المسلحة وهي تقترب من سفينة حربية تقليدية بطيئة الحركة، لا تفعل سوى إبراز هشاشة هذه القطع البحرية. وفي جميع الأحوال، تمتلك إيران أسلحة أخرى مضادة للسفن.

باختصار، لم تعد حاملة الطائرات الأمريكية تبثّ الرهبة كما في السابق؛ بل باتت تشعّ بالهشاشة.

لكنّ الحرب البحرية الإيرانية الجديدة تشمل أيضاً طائرات/طوربيدات مسيّرة غاطسة عالية السرعة، قادرة على البقاء متربّصة حتى أربعة أيام، ومزوّدة بقدرات استهداف تعتمد على الذكاء الاصطناعي. ويمكن إطلاق هذه المسيّرات من أنفاق تحت مائية تمتد تحت سطح مضيق هرمز.

ولا شكّ أنّ الابتكار الإيراني كان ثمرة تخطيط وتطوير طويلين. وقد برهنت فعاليته خلال المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة. فرغم تعرّض إيران لقصف إسرائيلي وأمريكي كثيف (مع ما ترتّب على ذلك من أضرار وخسائر بشرية كبيرة)، فإنّها ما زالت تسيطر على المضيق، وتمتلك مخزونات صاروخية وافرة، فيما أصبحت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج مدمّرة وغير صالحة للاستخدام.

هذه هي تجربة الحرب الإيرانية. لكنّ النقطة الاستراتيجية الأوسع تتمثّل في أنّها أثبتت أنّ "الطريقة الغربية في الحرب" قد جرى تجاوزها بواسطة التكنولوجيا الرخيصة المبتكرة والتخطيط اللامتماثل الدقيق.

صحيح أنّ النموذج الغربي قادر على إحداث دمار هائل، ولا شكّ في ذلك، لكنّ افتقاره إلى الدقّة الجراحية يجعله أيضاً ذا نتائج عكسية في عصر الإعلام الجماهيري والهواتف الذكية التي توثّق مقتل المدنيين والدمار والمعاناة.

أما النقطة الثانية، فهي أنّ الغرب ما زال عملاقاً بطيئاً وعاجزاً عن فهم الحرب اللامتماثلة الجديدة، ناهيك عن توقّعها. وقد جرى خنق الابتكار نتيجة تركّز المجمّع الصناعي العسكري في أيدي عدد قليل من الاحتكارات البيروقراطية.

إنّ الطريقة الغربية في الحرب أصبحت نموذجاً مفلساً عندما تواجه خصماً لامتماثلاً متطوّراً.

لكنّ آخرين استخلصوا بالفعل دروس الحرب الإيرانية. فروسيا واحدة منهم؛ والصين أخرى. وسيأتي المزيد. وعلى الغرب أن يتوقّع رؤية هذه الدروس تظهر بأشكال مختلفة في حروبه الأخرى.

وقد تجد النخب الأوروبية أنّ تسهيلها للهجمات الأوكرانية بالمسيّرات في عمق الأراضي الروسية قد يستجلب ردّاً مختلفاً (وحركياً/عسكرياً مباشراً) في المستقبل القريب. لقد صدرت التحذيرات. لكن هل سيتم الإصغاء إليها؟


المصدر: Strategic Culture

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور