بعد أن اشتعلت المنطقة جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية، التي فرضت إيران عقبها أوراق قوتها ببسط سيطرتها على أهم الممرات البحرية، حيث أعاقت حركة ناقلات النفط وجعلت العالم كله يهرول لإيجاد الحلول. وبينما كانت الأنظار تتجه إلى الناقلات العابرة فوق مياه هرمز، كانت هناك قوةٌ أخرى تحته، حيث تمر كابلات الإنترنت البحرية التي تحمل ما يقارب 99% من حركة البيانات العالمية.
هناك، في قاع الخليج الفارسي، تمر الكابلات البحرية التي تحمل الإنترنت العالمي، والتحويلات المالية، والخدمات السحابية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، واتصالات الحكومات والشركات العملاقة. أي أن هرمز لا يعيق حركة النفط فقط، بل بإمكانه أن يعطل خدمات الإنترنت العالمية أيضًا، وهذا ما يمنح إيران ورقة قوة تُضاف إلى معادلة الردع الجديدة.
وهنا تكمن النقلة الاستراتيجية الأخطر. لأن العالم الرقمي الذي تبنيه الولايات المتحدة وشركات التكنولوجيا الكبرى يعتمد فعلياً على شبكة الكابلات البحرية العابرة في هرمز.
ومن أبرز هذه الكابلات: "AAE-1" و"FALCON" و"GBI"، إضافة إلى مشاريع الربط الخليجية الجديدة التي تسعى لربط آسيا بأوروبا عبر الخليج. وهذه تعد البنية التشغيلية للنظام العالمي من بنوك، وشركات كبرى وكذلك الجيوش والعسكر.
لذلك فإن أي تصعيد جديد في المنطقة لم يعد يعني فقط ارتفاع سعر برميل النفط، بل أيضاً تعطل الخدمات الرقمية. وهذا ليس بالضرورة أن يتم فقط عبر قطع الكابلات أو استهدافها مباشرة، بل في التحكم بالبيئة المتواجدة فيها. فالكابلات البحرية تحتاج دائماً إلى سفن صيانة وتصاريح وبيئة مستقرة للعمل، وفي أي حرب قد يتحول تأخير الإصلاح أو تعطيل حركة السفن التقنية إلى أزمة رقمية عالمية.
ولهذا بدأت شركات مثل "Google" و"Meta" و"Microsoft" و"Amazon" تراقب أي طارئ في المنطقة بقلق متزايد، لأن أمن الإنترنت العالمي بات مرتبطاً باستقرار هرمز تماماً كما ارتبط النفط سابقاً بالمضيق نفسه.
المفارقة أن دول الخليج نفسها تسعى اليوم للتحول إلى مراكز عالمية للذكاء الاصطناعي والبيانات، عبر مشاريع في السعودية والإمارات وقطر والبحرين، لكنها تعتمد في الوقت نفسه على البنية التحتية التي تمر في هرمز ولذلك في أي تصعيد ستحظى هذه الدول بنصيبها إلى جانب استهداف القواعد فيها في ظل دعمها المستمر لأميركا و"إسرائيل".
فإذا كان الغرب ودول الخليج يخشون إغلاق هرمز خوفاً على الطاقة، فإنهم باتوا مضطرين اليوم للخوف أيضاً على الإنترنت العالمي، وعلى البنية الرقمية التي تقوم عليها اقتصادات القرن الحادي والعشرين.
الكاتب: زهراء نعيم