العلاقة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في ظاهرها تحالفًا راسخًا يجمع زعيمين شعبويين تقاطعت مصالحهما في مواجهة عدو مشترك. غير أن ما تكشفه التحليلات في الإعلام الأمريكي والغربي صورة مغايرة تمامًا؛ صورة علاقة آخذة في التصدع، تتسع فجواتها يومًا بعد يوم، تحت وطأة تباعد الأهداف وتراكم خيبات الأمل.
وعد بانتصار سهل لم يتحقق
يرى المحللون أن جوهر الأزمة بين الزعيمين يعود إلى لحظة الإقناع الأولى. فقد أوهم نتنياهو ترامب بأن الحرب على إيران ستكون قصيرة وحاسمة، مستشهدًا بالتجربة الفنزويلية دليلًا على أن التغيير السريع للأنظمة أمر ممكن.ووصف الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ألون بينكاس هذا الأسلوب بصراحة، قائلًا إن نتنياهو رسم لترامب صورة إيران على أنها دولة على حافة الانهيار، شعبها يتوق للثورة، واقتصادها في حضيضه، وحرسها الثوري عاجز عن المقاومة الفعلية، مقترحًا أن يمكن كسب الحرب معًا في غضون أيام معدودة. بيد أن الواقع سار في الاتجاه المعاكس تمامًا؛ فلم ينتفض الشعب الإيراني، ولم ينهار النظام، بل تمكن الحرس الثوري من إغلاق مضيق هرمز وشن ضربات على القواعد الأمريكية ودول الخليج، فأشعل أزمة اقتصادية عالمية أفضت إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والوقود.
أهداف متباينة وضغوط متعارضة
تكشف التحليلات عن هوة عميقة بين أهداف الرجلين من هذه الحرب. فترامب، الذي يستشعر ثقل الانتخابات النصفية في أكتوبر وما تمثله من تحديات داخلية، يريد إغلاق الملف الإيراني سريعًا، والانتقال إلى معاركه الاستراتيجية الكبرى، لا سيما مواجهة الصين. ،أما نتنياهو فتحكمه حسابات مختلفة؛ إذ يراهن على استمرار الحرب لتقديم نفسه للناخب الإسرائيلي منتصرًا في أكبر حرب تخوضها "إسرائيل"،بعد أن وصمته هزيمة السابع من أكتوبر 2023. لذا يضع هدفًا أعلى سقفًا بكثير: تدمير البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين بالكامل، وتغيير النظام في طهران، وهو هدف يتعارض جذريًا مع رغبة ترامب في التهدئة والخروج بأقل الخسائر الممكنة.
التهميش والتوبيخ العلني
ترجمت خيبة أمل ترامب نفسها إلى سلوك غير مسبوق في العلاقة بين البلدين. فحين قصف سلاح الجو الإسرائيلي حقل غاز جنوب فارس الإيراني دون تنسيق مسبق مع واشنطن، خرج ترامب ليؤكد أنه طلب من نتنياهو صراحة ألا يفعل ذلك. وحين بدأت "إسرائيل" بقصف لبنان مجددًا، نشر ترامب تغريدة حازمة أعلن فيها أن الولايات المتحدة تمنع "إسرائيل" من مواصلة ذلك، في توبيخ علني لم يسبق له مثيل. وعلى صعيد المفاوضات، باتت "إسرائيل" تُستبعد تدريجيًا من الحلقة الدبلوماسية؛ إذ بدأت واشنطن مباحثاتها مع إيران عبر الوساطة الباكستانية دون إشراك تل أبيب، فاضطر المسؤولون الإسرائيليون، وفقًا للتقارير، إلى الاستعانة بمصادرهم الاستخباراتية لمعرفة ما يجري على طاولة التفاوض.
"هوندوراسغيت": التحالف في مرآة الفضائح
مع مطلع مايو، انضافت إلى هذه الصورة المعقدة فضيحة جديدة باتت تُعرف بـ"هوندوراسغيت". كشفت تسجيلات مسربة عبر تطبيقات التواصل المشفر عن مؤامرة مزعومة بين ترامب ونتنياهو والرئيس الأرجنتيني ميلي، تهدف إلى دعم قوى يمينية وزعزعة استقرار حكومات يسارية في المكسيك وكولومبيا والبرازيل. والأكثر إثارة أن التسجيلات تشير إلى أن عفو ترامب عن رئيس هندوراس السابق المدان بتهريب المخدرات لم يكن بادرة إنسانية، بل جاء ثمنًا لصفقات أمنية وتكنولوجية تخدم مصالح إسرائيلية وأمريكية في المنطقة، وأن نتنياهو كان طرفًا محوريًا في ترتيب هذا العفو. وقد كشف المتهم نفسه في أحد التسجيلات أن "أموال العفو" جاءت من جهات داعمة لإسرائيل، وأن لنتنياهو دورًا كبيرًا في المفاوضات. هذه التسريبات ألقت ظلالًا جديدة على طبيعة العلاقة، إذ صورتها وكأنها قائمة على مقايضات مشبوهة لا على شراكة استراتيجية مبنية على القيم.
التنسيق الظاهري ومخاوف التبعية
في خضم هذه التوترات، يحرص نتنياهو على تقديم صورة التنسيق الكامل مع واشنطن، مؤكدًا في خطاباته أن العلاقة مع ترامب تبلغ أعلى مستوياتها التاريخية وأن التواصل بينهما يومي. غير أن محللين كالمستشارة الاستراتيجية داليا شيندلين يرون في هذا الإلحاح على وصف الأمور بالجيد دليلًا على عمق التوتر الحقيقي. وقد رصد بعض المراقبين ما يصفونه بـ"اللعبة المزدوجة" لترامب، الذي يظهر بمظهر الساعي للسلام بينما يوظف الضربات الإسرائيلية ورقة ضغط على إيران. في المقابل، يرى دبلوماسيون إسرائيليون أن اعتماد نتنياهو المفرط على شخص ترامب، وتخليه عن قاعدة الإجماع الحزبي الأمريكي التقليدية التي رعت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لعقود، يُعرض الأمن القومي الإسرائيلي لمخاطر بعيدة المدى.
ثمن سياسي يدفعه الاثنان
يلتقي كثير من المحللين حول خلاصة واحدة: إن الحرب التي كان من المفترض أن تعزز مكانة الرجلين باتت عبئًا سياسيًا يثقل كاهليهما معًا. فنتنياهو يواجه انتخابات في خريف 2026 تشير الاستطلاعات إلى أنه قد يخسرها، فيما يدخل ترامب حرب انتخابات الكونغرس محملًا بتداعيات اقتصادية باهظة وشعبية متراجعة بسبب ارتفاع أسعار الوقود. وكما يلخص بينكاس الوضع ببلاغة: "لقد ألحق كل منهما ضررًا بالغًا بالآخر". وبعيدًا عن التصريحات الرنانة والإلحاح على أن كل شيء على ما يرام، يبدو أن تحالفًا بُني على وعود مضخمة ومصالح متعارضة يواجه اختبارًا وجوديًا حقيقيًا، ونتائجه لن تقتصر على مصير الرجلين، بل ستتحدد بها ملامح منطقة بأسرها.
الكاتب: غرفة التحرير