تواصل مشهد الاستنزاف الميداني يوم الثلاثاء ليُثبّت معادلةً قاسية تفرضها المقاومة الإسلامية على جيش الاحتلال في جنوب لبنان، إذ نجحت في تحويل قواته المتموضعة على ما يُسمى "الخط الأصفر" إلى أهداف ثابتة مكشوفة أمام منظومتها النارية والاستخباراتية. وفي حين يلهث المستوى السياسي الإسرائيلي خلف إنجازات وهمية، ويُسوّق لعمليات "سرية" عبر نهر الليطاني، جاء الإعلام الحربي للمقاومة ليوجّه له صفعةً موثقة تكشف زيف هذه الادعاءات وتؤكد أن قوات الاحتلال تتحرك داخل "حقل رماية" خاضع لسيطرتها المطلقة.
على الصعيد العملياتي، نفّذت المقاومة الإسلامية خمساً وعشرين عمليةً نوعية ومدروسة خلال هذا اليوم، تصدّرتها السيطرة الجوية التكتيكية الكاملة عبر استخدام المحلقات الانقضاضية في ما لا يقل عن إحدى عشرة عملية، استهدفت دبابات الميركافا والآليات الهندسية المأهولة وغير المأهولة فضلاً عن الآليات اللوجستية. وقد شكّل تدمير أو إصابة سبع دبابات ميركافا في يوم واحد - في حولا والبياضة وخربة المنارة والإسكندرونة والطيبة والعبّاد - مؤشراً صارخاً على عجز الدروع الإسرائيلية أمام التكتيكات الانقضاضية المستحدثة.
غير أن اللافت في هذا اليوم كان نموذج "وادي العين"، حيث أبدت المقاومة قدرةً احترافية في تنفيذ كمائن مركّبة؛ إذ ضربت القوة المتقدمة أولاً، ثم انتظرت طواقم الإخلاء لتستهدفها للمرة الثانية والثالثة بالمدفعية والصواريخ، محققةً ما يمكن وصفه بـ"الصيد المركّب" الذي أوقع خسائر متتالية في صفوف الإنقاذ. وعلى خط موازٍ، استهدفت عملياتها أجهزة التشويش المخصصة لمواجهة المسيرات وآليات الاتصالات في موقع العبّاد، بهدف شلّ منظومة العدو الدفاعية قبل الانقضاض على جنوده.
في المقابل، وسّع العدو نطاق غاراته وضرباته المسيّرة محاولاً الضغط على خطوط المقاومة الخلفية، فطالت الغارات قرى النسق الثاني ومناطق ضفاف النهر من زوطر الشرقية وجبشيت وطيردبا والنبطية وصولاً إلى البقاع. وتركّز القصف المدفعي على الحافة الأمامية المحتلة في حولا والخيام، مع استمرار سياسة الأرض المحروقة وتفخيخ المنازل في الخيام ودير ميماس، وهو ما يُفسَّر كدليل واضح على عجز العدو عن التثبيت البري وتصاعد هواجسه من الكمائن.
وكان أبرز ما كشفه هذا اليوم هو "فضيحة الليطاني"؛ إذ سارع العدو إلى الإعلان عن "عملية سرية" لوحدتي إيجوز وغولاني عبرت نهر الليطاني باتجاه زوطر الشرقية، في محاولة لتسويق انتصار وهمي. بيد أن هذه السردية تهاوت في الساعات ذاتها، حين نشر الإعلام الحربي للمقاومة مقطعَي فيديو يعودان إلى تاريخ التاسع من أيار، يُوثّقان تحليق محلقتين انقضاضيتين فوق مجرى النهر مباشرةً، كاشفتَين بالكامل المسار الذي ادّعى العدو أنه اتخذه "سراً". وقد صالت المحلقتان وجالتا برصد هادئ ودقيق، لتنقضّ إحداهما على خيمة جنود والأخرى على آلية عسكرية بين دير سريان وزوطر الشرقية، مُثبتتَين أن ما أسماه العدو "مساراً سرياً" لم يكن سوى ممرٍّ مكشوف موضوع تحت الرصد الكامل. بل زاد التناقض فضاحةً حين اعترف الجيش لاحقاً باستخدام مدرعات النمر الثقيلة وتنفيذ مئة غارة جوية لدعم هذه "العملية السرية"، مما يعني أنها كانت اقتحاماً تحت غطاء ناري هائل لالتقاط صورة نصر، فكانت النتيجة ثلاث اشتباكات أقرّ بها العدو مدّعياً أنها خلّفت ثمانية جرحى ومقتل كلب بوليسي من وحدة عوكتس.
على صعيد تحليل الأداء، يرتكز تفوّق المقاومة على دمج المحلقات الانقضاضية الموجّهة بالألياف البصرية مع كاميرات الاستطلاع المباشر، في نهج يمنحها دقةً شبه مطلقة ويحوّل مسيراتها إلى سلاح مضاد للرواية الإعلامية الإسرائيلية في آنٍ معاً. في المقابل، يعاني جيش الاحتلال من جمود عملياتي وهزيمة تكنولوجية صارخة؛ إذ اضطر للجوء إلى حلول لا تخلو من السخرية كتوزيع طلقات متشظية لاصطياد المسيرات وتركيب أسلاك شائكة دوارة لقطع كابلات الفايبر، وهو ما يعكس انهياراً فعلياً في مظلته الدفاعية التكتيكية.
ولم تتأخر شهادات الجنرالات والمحللين الإسرائيليين في التعبير عن مرارة هذا الواقع؛ فقد لخّص موقع البحث الاستراتيجي العبري الورطة بوصف تمركز الجيش بأنه "ميدان مثالي لطائرات حزب الله"، فيما نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" عن جنود الشمال عجزهم التام أمام المسيرات، وأشار عضو الكنيست حاييم يلين إلى أن هذه المسيرات "أنابيب طائرة جديدة" على غرار صواريخ غزة الأولى، معترفاً بالعجز المستدام عن استباق التهديد. وذهب أبعد من ذلك مسؤول رفيع في "هآرتس" بنفيه جدوى أي توغل بري، مستنداً إلى قدرة المسيرات على الإطلاق من مسافة ستين كيلومتراً.
خلاصة القول، بلغ العدوان البري الإسرائيلي حالةً من "الاستعصاء والإفلاس العملياتي"؛ فالعدو عاجز عن التقدم خوفاً من الكمائن، وعاجز عن الثبات في مواقعه بسبب المحلقات الانقضاضية التي تحصد جنوده وآلياته يومياً. والمقاومة تدير هذه المعركة بتفوق واضح في "حرب الأدمغة والاستنزاف"، فارضةً معادلةً ستُجبر العدو عاجلاً أم آجلاً على التراجع تحت وطأة النيران والفضائح الميدانية المتراكمة.
الكاتب: غرفة التحرير