الأربعاء 13 أيار , 2026 04:25

الحرب التي استنزفت أميركا ولم تُسقط إيران

اعلام إيران وأميركا و"إسرائيل"

لم تكن الحرب الأميركية- "الإسرائيلية" على إيران مجرد مواجهة عسكرية هامشية في الخليج، بل تحولت تدريجيًا إلى اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في عالم يتغير بسرعة. فبعد أشهر من الضربات الجوية المكثفة، والتصريحات السياسية التي تحدثت عن "سحق" القدرات الإيرانية، بدأت التقييمات الاستخبارية المسرّبة من داخل واشنطن تكشف صورة مختلفة تمامًا: إيران لم تنهَر، ولم تفقد بنيتها الصاروخية، بل استعادت ما يقارب 90% من منشآتها تحت الأرض، واحتفظت بمعظم قدراتها العملياتية.

هذه المعطيات لا تمثل مجرد تناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، بل تكشف مأزقًا أعمق داخل المؤسسة الأميركية نفسها. فالإدارة التي حاولت تقديم الحرب باعتبارها استعراضًا جديدًا للقوة الأميركية، تجد نفسها اليوم أمام حقيقة أكثر تعقيدًا: التفوق العسكري الهائل لم يعد كافيًا لإنتاج نصر سياسي أو فرض استسلام إستراتيجي على الخصوم.

التقييمات التي نقلتها صحيفة The New York Times لم تتحدث عن بقاء جزئي للقدرات الإيرانية، بل عن قدرة شبه كاملة على استعادة التشغيل في المنشآت الصاروخية تحت الأرض، وعن احتفاظ طهران بنحو 70% من منصات الإطلاق المتحركة ومخزونها الصاروخي. والأخطر بالنسبة لواشنطن أن إيران استعادت الوصول التشغيلي إلى معظم مواقعها المطلة على مضيق هرمز، بما يعني أن التهديد للملاحة الدولية وللقوات الأميركية في الخليج لا يزال قائمًا رغم كل ما أُنفق من نار وذخائر.

هذا الواقع يضرب في العمق الرواية التي روّج لها دونالد ترامب ووزير حربه، والقائمة على أن الضربات الأميركية – "الإسرائيلية" نجحت في "شل" الجيش الإيراني وإخراجه من المعادلة لسنوات. لكن خلف الأبواب المغلقة، كانت وكالات الاستخبارات تقول شيئًا آخر: الحرب لم تُنهِ التهديد الإيراني، بل دفعت طهران إلى إعادة تموضع أكثر مرونة وتعقيدًا.

في الحقيقة، تكشف هذه الحرب عن أزمة بنيوية في مفهوم القوة الأميركية نفسه. فمنذ نهاية الحرب الباردة، قامت الإستراتيجية الأميركية على فرضية واضحة: امتلاك التفوق الجوي والتكنولوجي الكاسح يسمح بفرض الإرادة السياسية على أي خصم. لكن التجارب المتتالية، من العراق إلى أفغانستان ثم إيران، أظهرت أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بتدمير البنية العسكرية التقليدية، بل بقدرة الدول على الصمود وإطالة أمد الاستنزاف.

وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية. فإيران لم تواجه الولايات المتحدة بمنطق الحرب التقليدية، بل بمنطق الاستنزاف الإستراتيجي. اعتمدت على الجغرافيا، والمنشآت تحت الأرض، والمنصات المتحركة، والقدرة على إعادة الانتشار السريع، لتجعل كلفة الحسم الأميركي مرتفعة إلى درجة غير قابلة للاستدامة.

الأرقام المسرّبة من داخل البنتاغون تعكس حجم هذا المأزق. استخدام أكثر من ألف صاروخ "توماهوك"، وأكثر من 1300 صاروخ اعتراضي من طراز "باتريوت"، يعني أن الحرب لم تستنزف إيران وحدها، بل استنزفت المخزون الأميركي نفسه. وهذا ما يفسّر القلق المتزايد داخل المؤسسة العسكرية الأميركية من أي جولة جديدة، لأن أي تصعيد إضافي سيعني استهلاك المزيد من الذخائر الإستراتيجية التي تعتبرها واشنطن ضرورية لمواجهة تحديات أكبر في آسيا، خصوصًا مع الصين.

الأكثر دلالة أن الاستخبارات الأميركية تعترف ضمنيًا بأن قرار عدم تدمير المنشآت الإيرانية بالكامل لم يكن نتيجة عجز تقني فقط، بل خيارًا فرضته حسابات أوسع تتعلق بمحدودية القنابل الخارقة للتحصينات والخشية من استنزاف المخزون الإستراتيجي. وهذا يعني أن الولايات المتحدة دخلت الحرب وهي تدرك منذ البداية أن قدرتها على الحسم ليست مطلقة كما تبدو في الخطاب السياسي والإعلامي.

الحرب كشفت أيضًا حدود القوة الجوية بحد ذاتها. فالسيطرة على الأجواء لم تعد تعني السيطرة على النتائج. ومن دون قوات برية، ومن دون استعداد لتحمل كلفة احتلال طويل أو مواجهة مفتوحة، تصبح الضربات الجوية أداة ضغط لا أداة حسم. وهذا ما حدث تمامًا مع إيران. فواشنطن استطاعت إلحاق أضرار، لكنها لم تستطع تحويل هذه الأضرار إلى انهيار سياسي أو عسكري شامل.

بل إن النتائج جاءت معاكسة في بعض الجوانب. فبدل أن تؤدي الحرب إلى إضعاف النظام الإيراني داخليًا، يبدو أنها ساهمت في تعزيز تماسكه وتشديد قبضته، تمامًا كما حدث في تجارب تاريخية كثيرة حين تؤدي التهديدات الخارجية إلى إعادة توحيد الأنظمة المستهدفة بدل إسقاطها.

أما على المستوى الإقليمي، فقد فرضت الحرب تحولات عميقة في المشهد الخليجي. فالدول التي اعتمدت لعقود على المظلة الأميركية بدأت تطرح أسئلة جدية حول حدود القدرة الأميركية على الحماية والحسم. ليس لأن واشنطن فقدت قوتها، بل لأن استخدام هذه القوة أصبح أكثر كلفة وتعقيدًا وأقل قدرة على إنتاج نتائج نهائية. ولهذا السبب، تتجه المنطقة تدريجيًا نحو نمط جديد من التوازنات، يقوم على تنويع الشراكات الأمنية والانفتاح على قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، بدل الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة وحدها.

في العمق، لا تكشف الحرب عن صعود إيراني مطلق بقدر ما تكشف تراجع فعالية نموذج الهيمنة الأميركية التقليدي. فالقوة الأميركية ما تزال الأكبر عالميًا، لكن قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية حاسمة أصبحت أكثر محدودية من أي وقت مضى.

وهذا ما يجعل الحرب مع إيران لحظة مفصلية في تطور النظام الدولي. فالعالم لا يدخل مرحلة تعدد الأقطاب فقط بسبب صعود قوى جديدة، بل لأن القوة المهيمنة نفسها باتت عاجزة عن استخدام تفوقها بالطريقة التي اعتادت عليها طوال العقود الماضية.

لهذا، فإن أخطر ما كشفته الحرب ليس حجم الترسانة الإيرانية التي بقيت صامدة، بل حجم التحول في طبيعة القوة العالمية نفسها. فالحروب لم تعد تُقاس فقط بمن يملك الطائرات الأكثر تطورًا أو الصواريخ الأكثر دقة، بل بمن يستطيع الصمود أطول، ورفع كلفة المواجهة، ومنع الخصم من تحقيق نصر حاسم. وفي هذا تحديدًا، تبدو إيران أنها نجحت في تحقيق هدفها الأكبر: لم تهزم الولايات المتحدة عسكريًا، لكنها منعتها من الانتصار.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور