صفارات الإنذار لن تُسمع فقط فوق مياه الخليج، بل بدأت أصداؤها تصل خزائن البنتاغون ومخازن النفط العالمية وغرف القرار في واشنطن. فالحرب التي دخلتها الولايات المتحدة باعتبارها معركة "إخضاع إيران ونظامها"، تحولت تدريجيًا إلى اختبار مكلف لقدرة أميركا على التحمل والاستمرار.
ومن مضيق هرمز لم تعد الأزمة تُقاس بعدد الصواريخ فقط، بل بحجم الأموال، والمخزونات النفطية المتآكلة، والقلق المتصاعد داخل المؤسسة العسكرية الأميركية من حرب طويلة بدأت تفرض ثقلها على الداخل الأميركي.
وتحدثت صحيفة وول ستريت جورنال بوضوح عن أزمة متصاعدة داخل البنتاغون، مشيرة إلى أن "حرب إيران بدأت تسحب الأموال من برامج وتدريبات واحتياجات عسكرية أخرى"، إلى درجة تحذير مسؤولين أميركيين من احتمال تقليص التدريبات العسكرية للجيش إذا لم يقر الكونغرس تمويلًا إضافيًا.
وتزداد الأزمة الأميركية تعقيدًا مع تصاعد التحذيرات من استنزاف مخزونات الذخائر والصواريخ الاعتراضية خصوصاً، وهي المشكلة التي بدأت منذ الحرب الأوكرانية ثم تفاقمت مع اتساع المواجهة مع إيران. فواشنطن باتت مضطرة لتوزيع قدراتها العسكرية بين أوكرانيا والخليج وآسيا، في وقت تستهلك فيه الحروب كميات هائلة من الذخائر الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي بوتيرة أسرع من قدرة المصانع الأميركية على التعويض والإنتاج.
في المقابل، جاء تقرير آخر للصحيفة ليكشف الوجه الاقتصادي الأخطر للأزمة، حيث أكدت أن العالم "يحرق شبكة الأمان النفطية الخاصة به" بسبب استمرار إغلاق مضيق هرمز، مع تراجع مخزونات النفط العالمية بوتيرة قياسية منذ بداية الحرب. ووفق الأرقام التي أوردها التقرير، فقد هبطت المخزونات العالمية بمقدار 250 مليون برميل خلال شهرين فقط، بينما بدأت الدول الغربية باستخدام احتياطاتها الاستراتيجية لتفادي انفجار الأسواق.
هذه المعطيات تكشف أن واشنطن دخلت الحرب وهي تظن أنها قادرة على خنق إيران اقتصاديًا وعزلها إقليميًا، لكن ما حدث عمليًا هو أن طهران نجحت في نقل الضغط إلى الاقتصاد العالمي نفسه. فبدل أن تصبح إيران وحدها تحت الحصار، أصبحت أسواق الطاقة العالمية بأكملها عرضة للاختناق، وبدأت أسعار الوقود والنقل والطيران تتحول إلى أزمات تضغط على الحكومات الغربية والعربية.
الأخطر بالنسبة لواشنطن أن هذه الحرب جاءت في توقيت تعاني فيه أصلًا من استنزاف متعدد الجبهات. فالولايات المتحدة ما زالت تتحمل كلفة دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، وتواجه في الوقت نفسه تصاعد التحدي الصيني اقتصاديًا وعسكريًا، إضافة إلى أزمة متنامية في مخزونات الذخائر والأسلحة. لذلك، فإن أي حرب طويلة مع إيران تعني عمليًا إعادة توزيع الموارد الأميركية على حساب ملفات تعتبرها واشنطن أكثر حساسية في الصراع العالمي المقبل، وعلى رأسها الصين.
ولهذا السبب تحديدًا، لم يعد الحديث الأميركي يتركز فقط على "هزيمة إيران"، بل على كيفية احتواء هذا التصعيد. وهذا أحد أسباب اضطرار ترامب إلى التوجه نحو بكين وسط الحرب، في محاولة للحصول على دور صيني يساعد في تخفيف أزمة هرمز واحتواء التصعيد مع طهران. لكن المفارقة أن القمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ أظهرت أيضًا تحولًا مهمًا في ميزان القوى، حيث بدت الصين أكثر ثقة واستقرارًا، فيما "ظهرت واشنطن بخطاب لين مقارنة بخطابها العدائي السابق الذي بنى ترامب مسيرته السياسية عليه" كما قالت صحيفة ال "BBC".
إيران بدورها استفادت من هذا المشهد لتخرج تدريجيًا من المأزق الذي كانت الولايات المتحدة ترسمه لها منذ سنوات. فبدل أن تتحول إلى دولة منهكة، نجحت في فرض معادلة جديدة عنوانها أن أي مواجهة معها لن تبقى داخل حدودها، بل ستطال العالم.
وهكذا، تحولت الحرب التي كان يُفترض أن تعيد تثبيت الهيبة الأميركية، إلى مواجهة تكشف هشاشة النظام الأميركي في وقت تصعد فيه قوى جديدة أكثر قدرة على الصبر.
الكاتب: زهراء نعيم