الجمعة 15 أيار , 2026 03:32

الشارع العربي ومعركة رمضان: حين تختلف الشعوب مع حكوماتها

خريطة الدول العربية

في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني عدواناً عسكريّاً واسعاً على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فيما اصطُلح عليه إعلاميّاً بـ«معركة رمضان». أفرز هذا الحدث الضخم موجةً من ردود الفعل الشعبية المتباينة في أرجاء الوطن العربي، لا سيما في الدول التي آثرت الحياد العسكري كدول الخليج ومصر والمغرب العربي والأردن وفلسطين. ولفهم هذا المشهد، لا بد من استحضار البيئة الاستطلاعية التي سبقت الحرب وأرست أرضيتها النفسية والسياسية.

ما قبل الحرب: أرقام تنذر بتحوّل

كشف المؤشر العربي 2024–2025، الذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة على عيّنة تجاوزت أربعين ألف مستجيب في خمس عشرة دولة، أن 84% من العرب يعدّون السياسات الإسرائيلية تهديداً للأمن الإقليمي، و77% يقولون الشيء ذاته عن السياسات الأمريكية، في حين لم تتجاوز النسبة المقابلة لإيران 53%. والأكثر دلالةً أن تأييد التطبيع مع إسرائيل في السعودية تهاوى من 38% عام 2022 إلى 6% فحسب عام 2025، فيما بلغ الرفض في الكويت 94%.

وعلى وقع هذه الأرقام، رصد الباروميتر العربي في موجته التاسعة خريف 2025 ارتفاعاً قياسيّاً في تأييد سياسة الإمام الخامنئي الخارجية: 49% في تونس بزيادة 29 نقطة، و36% في فلسطين بزيادة 20 نقطة، و35% في المغرب بزيادة 12 نقطة. ولاحظ الباحثون أن هذا التأييد يتخطى الانقسام السني–الشيعي التقليدي، ويعكس قراءةً للواقع أكثر منه انتماءً طائفيّاً، إذ يرى أكثر من نصف المستطلَعين في تونس ومصر وفلسطين أن إيران ملتزمة فعليّاً بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية.

الشارع العربي في مواجهة الحرب

حين اندلعت معركة رمضان، لم تكن ردود الأفعال الشعبية مفاجئة لمن يتابع هذه المؤشرات. في المغرب، شهدت الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش مظاهرات حاشدة رُفعت فيها أعلام فلسطين، بينما منعت قوات الأمن وقفةً تضامنية في طنجة منذ اليوم الأول. وكانت الفجوة بين الشارع والقصر لافتة للنظر، فبينما أجرى الملك محمد السادس اتصالاته مع قادة الخليج لدعم موقفهم تجاه إيران، كان المتظاهرون يهتفون ضد العدوان الأمريكي–الإسرائيلي في الشوارع ذاتها.

وفي تونس، التي سجّلت أعلى قفزة في تأييد السياسة الإيرانية، شهدت العاصمة وصفاقس موجةً من الاحتجاجات بين السابع عشر والثاني والعشرين من آذار/مارس. أما الجزائر، فقد آثرت خطاباً رسميّاً يوازن بين مبدئها الراسخ رفضاً للتدخل الأجنبي ومصالحها الطاقوية، في حين يغذّي إعلامها الرسمي خطاب المقاومة ورفض الهيمنة الغربية.

في مصر، احتدم الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي حول ما وصفه كثيرون بـ"توريط مصر" في الصراع لصالح "إسرائيل" والإمارات. وانتقد إعلاميون بارزون الحرب محذّرين من أن سقوط إيران لن يُوقف العدوان بل سيُديره نحو الدول الكبرى. وفي السودان، أيّد البرهان الموقف الخليجي ظاهريّاً، غير أنه اضطر للتحذير علنيّاً من تيار داخل القوات المسلحة يطالب بدعم إيران، كاشفاً بذلك عن مزاج شعبي وعسكري يخالف التوجه الرسمي، وقد تجلّى ذلك في مظاهرات متضامنة مع طهران شهدتها أم درمان أواخر آذار/مارس.

أما دول الخليج، فقد آثرت حكوماتها تجنّب تعبئة شعوبها ضد إيران، وهو خيار استراتيجي أملته قراءة واقعية: أي تعبئة من هذا القبيل كانت مرشّحة للانقلاب احتجاجاً ضد العدوان الأمريكي–الإسرائيلي نفسه، في ظل أرقام تقول إن 77% من شعوب الخليج يرون الولايات المتحدة تهديداً بينما تنضوي حكوماتهم تحت مظلتها العسكرية.

وعلى الضفة الفلسطينية–الأردنية، انقسم الموقف انقساماً حادّاً؛ فأدانت السلطة الفلسطينية الضربات الإيرانية على الدول العربية، فيما أشادت حماس بجبهة المقاومة وعدّت الحرب عدواناً على سيادة المنطقة. وفي الأردن، حاولت السلطات قمع الاحتجاجات متذرّعةً بحظر الإخوان المسلمين، بيد أن 87% من الأردنيين يرفضون التطبيع وفق المؤشر العربي، وهو رقم يضع الحكومة في مواجهة تلقائية مع شارعها كلما ابتعدت عن هذا التوجه.

حرب السرديات: ميدان رقمي مفتوح

لم تُخَض معركة رمضان في الميدان العسكري وحده، بل امتدت إلى فضاء رقمي واسع. رصد معهد الحوار الاستراتيجي في لندن شبكتين منسّقتين مؤيدتين لإيران على منصة X، حصدتا في الشهر الأول من الحرب ما يزيد على مليار مشاهدة و16 مليون إعجاب و3.5 مليون إعادة نشر. والأكثر لافتاً أن إيران وظّفت أدوات غير تقليدية كمقاطع الراب وفيديوهات الـLEGO والكاريكاتير المولّد بالذكاء الاصطناعي، مستهدفةً جماهير لا تتابع النشرات الإخبارية عادةً. وقد لاحظت الباحثة نانسي سنو أن إيران باتت توظّف الثقافة الشعبية ضد الدولة التي أرست معاييرها العالمية. وأضافت دراسة أكاديمية نُشرت على arXiv في أيار/مايو 2026 بُعداً بنيويّاً لهذه الصورة، إذ كشفت أن 1% من الحسابات النشطة استحوذ على 61.5% من إجمالي التفاعل في الخطاب العربي على المنصة ذاتها.

الخلاصة: شارع يقرأ الصراع بعيون مختلفة

تكشف هذه المطالعة أن الشارع العربي لا يقرأ ما يجري على أنه صراع طائفي عربي–إيراني، بل يؤطّره في إطار تحرّر إقليمي من هيمنة المحور الأمريكي–الإسرائيلي. وهذا ما يفسّر لماذا فشلت السرديات الرسمية الخليجية القائمة على "الخطر الإيراني" في حصد الإجماع الجماهيري الذي كانت تأمله. وتبقى الفجوة بين الشعور الشعبي والقرار الحكومي هي السمة الأبرز التي تلفّ المشهد السياسي العربي في هذه المرحلة الفارقة، فالشارع يقول شيئاً والقصر يفعل شيئاً آخر، والمسافة بينهما في اتساع متواصل.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور