في الرابع عشر من مايو\ أيار 2026، ضربت محلقة أطلقها حزب الله موقفَ سيارات في منطقة رأس الناقورة شمالي فلسطين المحتلة، فأصيب مستوطنان بجروح بالغة وثالث بجروح خفيفة. لم تُطلق صافرة إنذار واحدة. لم يُمنح أحد ثوانيَ للاحتماء. جاءت المحلقة كأنها صمت مُسلَّح، وانفجرت قبل أن يُدرك أحد ما حدث.
هذا المشهد ليس حادثةً معزولة؛ إنه عنوان مرحلة. منذ أن أعلن حزب الله في معركة العصف المأكول عن توظيف محلقات الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV) الموصولة بالألياف الضوئية في عملياته ضد المواقع الإسرائيلية في جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة، تحوّل المشهد الأمني في المنطقة الحدودية تحوّلاً جوهرياً. ليس لأن هذا السلاح جديد تقنياً فقط، بل لأنه يتحرك خارج منطق الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية كلها.
أولاً: سلاح من بضع مئات دولار يُحرج منظومة بمليارات
ما يجعل مسيّرات FPV ظاهرةً استراتيجية وليس مجرد تطور تكتيكي، هو التناقض الصارخ بين تكلفتها وأثرها. تُقدّر التقارير المتخصصة تكلفة المحلقة الواحدة بما بين ثلاثمئة وأربعمئة دولار، مصنوعة من مكونات تجارية متاحة على الإنترنت، غالبيتها من تصنيع صيني. في المقابل، تتكئ إسرائيل على منظومات دفاعية تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات، وعلى رأسها القبة الحديدية وأنظمة الحرب الإلكترونية المتطورة.
غير أن عبقرية هذا السلاح لا تكمن في تفوقه التقني، بل في التفافه على منطق هذه الأنظمة كلها. فبدلاً من الموجات الراديوية التي تسهل تشويشها واعتراضها، تتصل هذه المسيّرات بمشغليها عبر كابل من الألياف الضوئية، تنتقل فيه الإشارات بالضوء لا بالراديو، فتغدو منظومات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية عديمة الفائدة كلياً أمامها. يُضاف إلى ذلك صغر حجمها وتحليقها المنخفض الملاصق للتضاريس، مما يجعل بصمتها الرادارية شبه معدومة.
الأمر الأشد مفعولاً أن مداها يتراوح بين خمسة عشر وعشرين كيلومتراً، مما يُتيح إطلاقها من خارج نطاق انتشار القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أي أن المشغّل يجلس في مكان آمن نسبياً، ويُوجّه الطائرة عبر عينَي كاميرا مباشرة نحو هدفه بدقة عالية — وهو ما أثبتته لقطات وثّقها حزب الله لاستهداف اهداف كثر منها مروحية إجلاء إسرائيلية باستهداف مباشر.
ثانياً: انهيار المنظومة النفسية لا التقنية فحسب
حين نتحدث عن تأثير هذا السلاح على مستوطني الشمال، فنحن نتحدث عن شيء أعمق من الخسائر المادية. نتحدث عن انهيار "عقد نفسي" ظل سارياً عقوداً: إنذار مبكر يمنح لحظات للاحتماء، ومنظومة دفاعية تعترض ما أُطلق. مسيّرات FPV نسفت هذا العقد من أساسه.
صافرات الإنذار في الشمال الإسرائيلي المحتل لم تُصدر أي صوت في كثير من الحوادث الأخيرة. المنظومة تصمت لأن المسيّرة لا تترك أي بصمة كهرومغناطيسية يمكن رصدها مسبقاً. وهذا يعني، في الواقع اليومي للمستوطن، أن الحماية التي اعتقد أنه يملكها إنما كانت مشروطة بنوع محدد من التهديد — وهذا النوع الجديد يتجاوزها كلها.
ما يُضاعف الأثر النفسي أن حزب الله لا يكتفي بضربة واحدة؛ ففي مطلع مايو\ أيار 2026 شنّ ما وصفه مصدر أمني إسرائيلي لقناة كان بأنه الهجوم الأوسع والأول من نوعه من حيث التنسيق، إذ أطلق أسراباً من المسيّرات المتفجرة، ثم كرّر الهجوم بموجة ثانية بعد ساعة على الأولى مستهدفاً ذات الموقع. وهو نمط يوحي بمنطق استنزاف منهجي لا مجرد ضربات عشوائية.
إضافة الى ذلك، لم تكن وطأة مسيّرات الـ FPV تكنولوجية فحسب، بل جاءت لتصدم وعياً جمعياً إسرائيلياً بُني على فرضية أن الجبهة الشمالية تم تفكيكها مسبقاً؛ ففي مستوطنات الشمال، كان الغضب والإحباط مضاعفين لأن هذه المواجهة الشرسة لم تكن في الحسبان مطلقاً.
لقد انطلق الشارع الإسرائيلي في هذه المعركة من خلفية تأييد جارف وغير مسبوق للحرب، مدفوعاً بسردية رسمية طمأنته بأن العمليات العسكرية الحالية هي السهم الأخير الذي سيؤدي حتماً إلى إنهاء حزب الله وتفكيك قدراته بشكل كامل وللأبد. كان الرهان الإسرائيلي قائماً على أن "استهداف الرأس في طهران سيحيد الأذرع تلقائياً"، وهو ما جعل المشهد ينقلب رأساً على عقب في الميدان.
هذا الانفصام التام بين الوهم والواقع هو ما لخصه التلفزيون الرسمي الإسرائيلي (قناة كان 11)، حيث أقرّ المحللون في استوديو الأخبار بصراحة قاسية قائلين: "عندما خرجت إسرائيل إلى حربها على إيران، لم يفكر أحد إطلاقا بلبنان. لكن حزب الله، الذي قالوا عنه إنه ضعيف وفي الحضيض، يجرّنا اليوم إلى حرب نحن ببساطة لا نعرف كيف ننهيها".
هذا الاعتراف يمثل ذروة الانقلاب في المشهد؛ فحزب الله الذي صُنّف إسرائيلياً في "مرحلة انكسار"، تحول من مجرد جبهة إشغال إلى الطرف الذي يمسك بزمام المبادرة، مفرغاً شعارات "النصر المطلق" من مضمونها، ومحجماً قدرة الردع الإسرائيلية في جدار من الأسئلة المعلقة حول أفق الخروج من هذه الحرب.
ثالثاً: الاعتراف الإسرائيلي — والاعتراف وحده يكفي
ما يُعمّق الأزمة النفسية في الداخل الإسرائيلي هو أن السلطة ذاتها باتت تعترف علناً بأنها لا تملك إجابةً ناجزة. رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أصدر توجيهات لإطلاق "مشروع خاص" لمواجهة التهديد، مُقرّاً بأن ذلك "سيأخذ وقتاً". ومسؤولون عسكريون كشفوا أن الجيش يستخدم أنظمة الرؤية المباشرة للاعتراض، وأن سلاح الجو اختبر نظاماً جديداً للاعتراض في أبريل 2026 لكنه فشل.
بل وصل الأمر إلى مشهد بالغ الدلالة: قوات برية تغطي مركباتها ومواقعها بشباك صيد وشباك كرة قدم لاصطياد المسيّرات. مسؤول ميداني إسرائيلي وصف هذه الحلول بأنها "ارتجالية"، وأن ما يظهر في الميدان "أقرب إلى مفهوم تجريبي منه إلى حل حقيقي". حين يصل جيش بين الأكثر تسليحاً في العالم إلى اصطياد الطائرات بالشباك، فإن الرسالة التي تصل إلى المستوطنين خلف تلك الجبهة لا تحتاج إلى ترجمة.
في سياق البحث عن حلول، تتجه إسرائيل نحو تجربة أوكرانيا التي تعاملت مع عشرات الآلاف من مسيّرات FPV شهرياً في حربها مع روسيا. صحيفة جيروزاليم بوست رأت في ذلك فرصة لفتح صفحة جديدة من التعاون الدفاعي بين البلدين، فيما يعكف خبراء عسكريون إسرائيليون على دراسة الأنماط التي استخدمتها كييف دفاعاً وهجوماً في مواجهة السلاح ذاته.
رابعاً: من الميدان إلى الشارع — تداعيات على الحياة المدنية
تأثير هذه المسيّرات لا يتوقف عند الضربات المباشرة. في مطلع مايو\ أيار 2026، أعلن الجيش الإسرائيلي إلغاء فعاليات عامة في الشمال كانت قد حصلت على استثناء من قيود الجبهة الداخلية، وذلك بسبب تقديرات عن هجمات محتملة. وهذا القرار، في حد ذاته، يُرسل رسالة واضحة: الحياة الطبيعية في الشمال معلّقة ليس فحسب حين يقع هجوم، بل حين يُتوقَّع.
لقد وسّعت مسيّرات FPV جغرافية الخطر وباتت تطال مناطق كانت تُعدّ في مأمن نسبي. إصبع الجليل وصفد ومستوطنات أخرى باتت ضمن دائرة الاستهداف. بل إن تحليلات إسرائيلية حذّرت من أن القدرات ذاتها قد تمتد نحو الضفة الغربية المحتلة، لتطال مستوطنات تقع على امتداد الخط الأخضر ووسط الأراضي المحتلة — وهو ما يعني نقل هذا المربع من انعدام الأمان من منطقة الشمال إلى قلب الجغرافيا الإسرائيلية.
حين يصبح الصمت هو السلاح
الطائرة التي لا تُسمع هي الأخطر، لأنها تقتل ليس فحسب حين تنفجر، بل حين تحلّق. فمجرد احتمال وجودها في السماء يكفي لأن يُعدّل مستوطن الشمال حياته: لا يتجمع مع آخرين في الخارج، لا يشارك في الفعاليات العامة، لا يطمئن لأي صمت لأن الصمت ذاته بات مريباً.
حزب الله الذي أعلن أن هذا السلاح سيُطارد القوات الإسرائيلية بثّ تحت عنوان "سنطاردكم" — لم يُطارد فحسب الجنود في مواقعهم، بل طارد شعور الأمان في نفوس المستوطنين الذين باتوا يعرفون أن صافرة الإنذار لن تأتي دائماً، وأن المنظومة الدفاعية التي طالما منحتهم الطمأنينة تعترف اليوم بحدودها. هذا هو الأثر الأعمق لمسيّرات FPV في الشمال: أنها حوّلت السماء من فضاء إلى مجهول. وحين يصبح المجهول شريكاً يومياً في الحياة، يغدو الرعب استراتيجية أكثر منه عملية عسكرية
الكاتب: غرفة التحرير