لا تتصرّف "إسرائيل" في غزة بوصفها "جيشاً" يخوض حرباً تقليدية ضدّ خصم عسكري فحسب، بل بوصفها كياناً يعيش أزمة وجود حقيقية، ويبحث عن أيّ صورة انتصار يمكن تسويقها لجمهوره المأزوم في الداخل، ولحلفائه القلقين في الخارج. ولهذا تحديداً، يصبح اغتيال قائد بحجم عز الدين الحدّاد حدثاً تتجاوز أبعاده حدود العمل الأمني والعسكري، ليدخل مباشرة في قلب المعركة السياسية والنفسية والاستراتيجية المفتوحة منذ السابع من أكتوبر.
"إسرائيل" تعرف جيداً من هو أبو صهيب الحدّاد. لا تتعامل معه باعتباره مجرّد قائد ميداني، بل باعتباره واحداً من العقول التي شاركت في إعادة بناء البنية القتالية لكتائب القسّام خلال السنوات الماضية، وواحداً من الرجال الذين نجحوا في إدارة جزء من الحرب الأكثر تعقيداً في تاريخ الصراع مع الاحتلال. ولذلك، فإنّ قرار اغتياله لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل نتيجة جهد استخباري هائل، وحاجة "إسرائيلية" ملحّة إلى "رأس كبير" تستطيع من خلاله القول إنّ ماكينة الاغتيالات ما زالت تعمل، وإنّ قدرتها على الاختراق لم تسقط رغم كلّ ما جرى.
لكنّ المشكلة بالنسبة إلى "إسرائيل" تكمن دائماً في الفارق بين الإنجاز التكتيكي والنتيجة الاستراتيجية. فهي قد تنجح في قتل قائد، أو مجموعة قادة، لكنها تفشل منذ عقود في قتل الظاهرة نفسها. وهذه ليست مسألة عاطفية أو خطابية، بل خلاصة تجربة طويلة امتدّت من فلسطين إلى لبنان، ومن العراق إلى إيران ومن اليمن إلى سوريا. في كلّ مرّة كانت "إسرائيل" تعتقد أنّ "قطع الرأس" سيؤدّي إلى انهيار الجسد، كانت تكتشف أنّ التنظيمات العقائدية لا تُدار بهذه الطريقة، وأنّ البنية التي تقوم على فكرة المقاومة لا تعتمد على فرد مهما بلغت أهميته، بل على منظومة كاملة قادرة على إنتاج البدائل بسرعة لافتة.
ما جرى بعد اغتيال قادة كبار في حماس أو حزب الله أو حتى في الحرس الثوري الإيراني يقدّم نموذجاً واضحاً عن هذه الحقيقة. "إسرائيل" غالباً ما تبالغ في تقدير أثر الاغتيال على خصومها، لأنها تنظر إليهم بعقلية الدولة المركزية التقليدية، بينما تعمل حركات المقاومة بعقيدة مختلفة تماماً، تقوم على اللامركزية النسبية، وعلى إعداد طبقات متتالية من القيادات الميدانية والتنظيمية القادرة على تسلّم المسؤولية عند الضرورة.
من هنا، فإنّ الرسالة الأولى من اغتيال الحدّاد ليست موجّهة إلى المقاومة بقدر ما هي موجّهة إلى الداخل "الإسرائيلي" نفسه. حكومة بنيامين نتنياهو تحتاج بصورة دائمة إلى إنجازات أمنية تعيد ترميم صورة الردع المتآكلة، خصوصاً بعدما تحوّلت الحرب الطويلة في غزة إلى عبء سياسي وعسكري وأخلاقي غير مسبوق على "إسرائيل". فالرجل الذي وعد "الإسرائيليين" بسحق حماس، وإنهاء المقاومة، وإعادة الأسرى بالقوة، يجد نفسه بعد شهور طويلة أمام حرب استنزاف مفتوحة، وجيش مُنهك، ومجتمع يعيش انقساماً عميقاً، ومؤسسة عسكرية تعترف ضمنياً بأنّ أهداف الحرب الكبرى لم تتحقق.
لهذا السبب، تصبح الاغتيالات جزءاً من إدارة الأزمة لا من صناعة الحسم. "إسرائيل" تعرف أنّها عاجزة عن إعلان نصر حقيقي في غزة، فتذهب إلى سياسة جمع النقاط: اغتيال هنا، تدمير هناك، مجزرة في حيّ سكني، أو عملية خاصة يتمّ تضخيمها إعلامياً. وهي تعتقد أنّ تراكم هذه العمليات قد يصنع صورة ذهنية عن تفوّقها المستمر، حتى لو كانت الوقائع الميدانية تشير إلى عكس ذلك.
في المقابل، تنظر المقاومة إلى هذه المسألة من زاوية مختلفة تماماً. فهي تدرك أنّ الحرب مع "إسرائيل" ليست نزهة، وأنّ كلفة المواجهة هائلة، وأنّ الاغتيالات جزء ثابت من العقيدة الأمنية "الإسرائيلية". ولذلك، بنت طوال السنوات الماضية نموذجاً تنظيمياً يقوم على مبدأ استمرارية العمل مهما كانت الخسائر. وفي هذا السياق تحديداً، يصبح استشهاد القادة جزءاً من دورة الصراع نفسها، لا حدثاً استثنائياً يؤدي إلى الانهيار.
هذا لا يعني التقليل من حجم الخسارة. اغتيال شخصية بحجم عز الدين الحدّاد يترك بلا شكّ أثراً عسكرياً وتنظيمياً ومعنوياً، لأنّ الحديث هنا يدور عن قائد يمتلك خبرة تراكمية كبيرة، وعلاقات تنظيمية معقّدة، ومعرفة دقيقة بالبنية القتالية للمقاومة. لكنّ التجربة أثبتت أنّ المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً كتائب القسّام، طوّرت خلال العقود الماضية قدرة عالية على امتصاص الضربات، وإعادة ترميم نفسها بسرعة تفاجئ خصومها قبل أصدقائها.
الأهمّ من ذلك أنّ "إسرائيل" تبدو عاجزة عن فهم التحوّل العميق الذي أصاب البيئة الحاضنة للمقاومة بعد حرب غزة. فهي تتصرّف انطلاقاً من فرضية قديمة تقول إنّ الضغط العسكري والاغتيالات والدمار سيدفع الناس إلى الانقلاب على المقاومة، بينما تشير الوقائع إلى أنّ المجازر الواسعة، وحرب الإبادة، والقتل الجماعي، ساهمت في إنتاج بيئة أكثر "راديكالية" وعداءً لـ"إسرائيل"، ليس في غزة فقط، بل في المنطقة كلّها.
ولهذا، فإنّ السؤال الحقيقي بعد اغتيال الحدّاد لا يتعلّق بمن سيخلفه عسكرياً، لأنّ المقاومة ستحسم هذا الأمر سريعاً على الأرجح، بل يتعلّق بما إذا كانت "إسرائيل" تملك فعلاً استراتيجية للخروج من هذه الحرب. حتى الآن، لا يوجد ما يشير إلى ذلك. كلّ ما تملكه هو المزيد من النار، والمزيد من القتل، والمزيد من الرهان على الوقت. لكنّ التجارب السابقة تقول إنّ الحروب التي تُدار بهذه الطريقة قد تنتج دماراً هائلاً، لكنها لا تصنع استقراراً، ولا تؤدّي بالضرورة إلى إخضاع الخصم.
في النهاية، قد تنجح "إسرائيل" في اغتيال قادة المقاومة واحداً تلو الآخر، لكنها تواجه معضلة أكبر بكثير: ماذا تفعل مع فكرة تحوّلت إلى وعي جمعي؟ وماذا تفعل مع جيل كامل نشأ تحت النار، ولم يعد يرى في الصراع مجرّد مواجهة سياسية، بل معركة وجود وهوية ومصير؟
هنا تحديداً تكمن المعضلة "الإسرائيلية" الحقيقية. فالاغتيال قد يقتل قائداً، لكنه لا يقتل المسار الذي أنتجه. وقد يحقّق صدمة مؤقتة، لكنه لا يضمن نهاية الحرب. أما في غزة، حيث الدم صار جزءاً من اللغة اليومية، وحيث تحوّلت المقاومة إلى ثقافة عامة لا إلى تنظيم مغلق فقط، فإنّ سقوط القادة لا يعني بالضرورة سقوط الراية، بل ربما العكس تماماً: إعادة شحنها بمزيد من الغضب والإصرار والاستعداد لمواصلة الطريق، مهما كانت الكلفة باهظة.
الكاتب: غرفة التحرير