لم تعد تايوان بالنسبة للولايات المتحدة مجرد جزيرة صغيرة في غرب المحيط الهادئ، بل تحولت إلى عقدة مركزية في الصراع على شكل النظام الدولي المقبل. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بالدفاع عن حليف آسيوي أو حماية الديمقراطية التايوانية، بل باتت متصلة مباشرة بموازين القوة العالمية، وسلاسل إمداد التكنولوجيا، وهيمنة أشباه الموصلات، ومستقبل النفوذ الأميركي في آسيا.
لهذا السبب، بدت قمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بيجين أبعد من مجرد لقاء دبلوماسي تقليدي بين قوتين عظميين، إذ تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة المرحلة المقبلة: هل تتجه واشنطن إلى إعادة صياغة دورها في آسيا وفق منطق الصفقات والمصالح الاقتصادية؟ أم أنها فعلاً بدأت تتراجع عن التزاماتها تجاه تايوان؟
منذ عودته إلى البيت الأبيض، تعامل ترامب مع السياسة الخارجية بعقلية التاجر أكثر من عقلية الاستراتيجي التقليدي. فهو لا ينظر إلى التحالفات باعتبارها التزامات ثابتة، بل أوراق ضغط قابلة للتفاوض وإعادة التسعير. ومن هذا المنطلق، دخل إلى قاعة الشعب الكبرى في بيجين حاملاً ملف تايوان ليس باعتباره قضية مبدئية مرتبطة بالأمن الآسيوي، بل كورقة تفاوض يمكن استخدامها لتحصيل مكاسب اقتصادية وتجارية وسياسية من الصين.
هذا التحول بحد ذاته كفيل بإثارة قلق عميق داخل تايبيه. فالإدارة الأميركية التي اعتادت لعقود إرسال رسائل ردع واضحة إلى الصين، بدأت في عهد ترامب تستخدم لغة غامضة ومرنة تفتح الباب أمام احتمالات متعددة. فالبيت الأبيض لم يوافق حتى الآن على تفعيل صفقات أسلحة ضخمة لتايوان، رغم إقرارها سابقاً، كما مارس ضغوطاً اقتصادية واسعة على الجزيرة، سواء عبر الرسوم الجمركية أو عبر دفع شركات أشباه الموصلات التايوانية إلى نقل جزء متزايد من إنتاجها إلى الولايات المتحدة.
في الظاهر، يبدو الأمر وكأنه ابتزاز اقتصادي لحليف يعتمد على المظلة الأميركية. لكن في العمق، تعكس هذه السياسة تحوّلاً أكبر في التفكير الأميركي. فواشنطن لم تعد تريد فقط حماية تايوان، بل تسعى أيضاً إلى تقليل اعتمادها عليها.
"درع السيليكون" يدخل مرحلة إعادة التموضع
طوال السنوات الماضية، شكّلت صناعة الرقائق الإلكترونية في تايوان ما عُرف باسم "درع السيليكون"، أي أن أهمية الجزيرة التكنولوجية كانت تشكل بحد ذاتها ضمانة أمنية غير معلنة تمنع التخلي عنها. فتايوان تنتج النسبة الأكبر من الرقائق المتقدمة في العالم، وأي حرب في المضيق كانت ستعني شللاً للاقتصاد العالمي وللقوة التكنولوجية الأميركية نفسها.
لكن ما يجري اليوم يشير إلى أن واشنطن تحاول تفكيك هذا الاعتماد تدريجياً. فالإدارة الأميركية تضغط على شركات مثل Taiwan Semiconductor Manufacturing Company لنقل خطوط إنتاج متقدمة إلى الداخل الأميركي، ضمن استراتيجية أوسع لإعادة بناء سلاسل التوريد التكنولوجية بعيداً عن مناطق الخطر الجيوسياسي.
وهنا تحديداً يكمن القلق التايواني الحقيقي. إذ تخشى تايبيه من أن يؤدي نقل مصانع الرقائق إلى الولايات المتحدة إلى إضعاف قيمة الجزيرة الاستراتيجية، وبالتالي تقليص احتمالية تدخل واشنطن عسكرياً إذا اندلع صراع مع الصين. فكلما تراجع الاعتماد الأميركي على الصناعة التايوانية، تراجعت الحاجة الملحة للدفاع عنها.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن واشنطن قررت التخلي عن تايوان، بل يعني أنها تعيد تعريف العلاقة معها ضمن معادلة أكثر براغماتية وأقل التزاماً.
الصين: تايوان ليست ملفاً تفاوضياً
في المقابل، تدرك بيجين جيداً شخصية ترامب القائمة على عقد الصفقات والمساومات، لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع ملف تايوان باعتباره خطاً أحمر وجودياً لا يخضع للمقايضة التقليدية.
خلال القمة، بدا الرئيس الصيني أكثر صرامة من أي وقت مضى في الحديث عن تايوان، ليس فقط لأنها تمثل قضية سيادة ووحدة وطنية بالنسبة للصين، بل لأنها ترتبط أيضاً بإرثه السياسي الشخصي. فشي يرى أن بقاء ملف تايوان معلقاً لعقود إضافية يُضعف صورة الصين كقوة صاعدة قادرة على فرض رؤيتها التاريخية.
ولهذا، فإن التحذيرات الصينية المتكررة لم تكن فقط رسائل دبلوماسية، بل تعبيراً عن استعداد حقيقي للمواجهة إذا شعرت بيجين أن واشنطن تدفع نحو استقلال تايوان الفعلي أو تحول الجزيرة إلى قاعدة احتواء عسكري للصين.
لكن المفارقة أن الصين، رغم تشددها، لا تبدو مقتنعة بالكامل بإمكانية الوثوق بترامب نفسه. فالرجل بالنسبة إلى القيادة الصينية متقلب وقابل لتغيير مواقفه بسرعة، ما يجعل أي تفاهمات معه غير مضمونة الاستمرارية. لذلك، تبدو بيجين حذرة من تقديم تنازلات استراتيجية كبيرة مقابل وعود قد تنقلب بعد أشهر أو مع وصول إدارة أميركية جديدة.
آسيا أمام نسخة جديدة من النفوذ الأميركي
المشهد الحالي لا يعكس انسحاباً أميركياً كاملاً من آسيا، بل انتقالاً إلى نموذج مختلف من إدارة النفوذ. فواشنطن لا تزال تعتبر الصين التهديد الاستراتيجي الأكبر، لكنها لم تعد راغبة في تحمل الكلفة التقليدية نفسها للدفاع عن الحلفاء.
ترامب يريد من الحلفاء الآسيويين، ومن ضمنهم تايوان، أن يدفعوا ثمناً أكبر للحماية الأميركية، سواء عبر شراء الأسلحة أو نقل الاستثمارات أو المساهمة في إعادة بناء الاقتصاد الصناعي الأميركي. بمعنى آخر، فإن الحماية الأميركية لم تعد تُمنح بوصفها جزءاً من قيادة عالمية مجانية، بل ضمن حسابات الربح والخسارة.
وهذا التحول لا يقلق تايوان وحدها، بل يثير قلق اليابان وكوريا الجنوبية وحتى الحلفاء الأوروبيين ودول الخليج، لأن الرسالة التي تصل إليهم واضحة: واشنطن في عهد ترامب مستعدة لإعادة التفاوض على كل شيء.
هل تتخلى أميركا فعلاً عن تايوان؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على أن الولايات المتحدة قررت التخلي الكامل عن تايوان، لأن كلفة هذا القرار ستكون هائلة على صورة واشنطن العالمية وعلى ميزان القوة في آسيا. فخسارة تايوان تعني عملياً فتح الباب أمام صعود صيني أكثر جرأة، وإرسال رسالة إلى حلفاء أميركا بأن الضمانات الأمنية الأميركية لم تعد ثابتة.
لكن في الوقت نفسه، من الواضح أن واشنطن لم تعد تنظر إلى تايوان بالطريقة التقليدية ذاتها. فبدلاً من اعتبار الدفاع عنها التزاماً استراتيجياً غير قابل للنقاش، باتت تُعامل كجزء من شبكة تفاوض أوسع تشمل التجارة والطاقة وأشباه الموصلات والصراع مع إيران وحتى مستقبل العلاقات الاقتصادية مع الصين.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستتخلى واشنطن عن تايوان؟ بل أصبح: ما الثمن الذي تريد الولايات المتحدة الحصول عليه مقابل استمرار التزامها بحماية الجزيرة؟
في النهاية؛ تكشف قمة ترامب وشي أن العالم دخل مرحلة جديدة من السياسة الدولية، مرحلة لم تعد تُدار فقط بالقواعد والتحالفات الثابتة، بل بالمساومات الكبرى وإعادة تعريف النفوذ. وفي قلب هذه التحولات تقف تايوان، لا كجزيرة معزولة، بل كنقطة اشتباك بين رؤيتين متناقضتين للعالم: رؤية أميركية براغماتية تعيد حساباتها، ورؤية صينية تعتبر أن لحظة استعادة الجزيرة باتت جزءاً من معركة التاريخ والهيمنة الدولية.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]