ما يجري بين واشنطن وبكين لم يعد مجرد تنافس اقتصادي بين قوتين عظميين، ولا حتى حربًا تجارية بالمعنى التقليدي. نحن أمام صراع أعمق بكثير: معركة على تعريف من يملك المستقبل، ومن يكتب القواعد التكنولوجية والاقتصادية والسياسية للقرن الحادي والعشرين.
ولهذا لم يكن رفض الصين شراء رقائق H200 من شركة NVIDIA مجرد تفصيل تجاري. بكين لم تقل فقط إنها تريد بدائل محلية، بل أعلنت عمليًا أنها لم تعد تقبل ببقاء عمودها التكنولوجي خاضعًا لقرار أمريكي يمكن تعطيله في أي لحظة.
بكلام أبسط…
الصين فهمت الدرس متأخرة، لكنها فهمته بوضوح: الأمن القومي لم يعد عسكريًا فقط، بل رقميًا، مرتبطًا بالرقائق وسلاسل التوريد والذكاء الاصطناعي.
ولهذا فإن ما يبدو قرارًا اقتصاديًا هو في جوهره إعلان استقلال استراتيجي طويل الأمد.
لكن المفارقة أن واشنطن نفسها ساهمت في تسريع هذا التحول. فبعد تسريبات إدوارد سنودن، بدأ الوعي العالمي يتغير تجاه البنية التكنولوجية الغربية، وخصوصًا داخل الصين، حيث جرى التعامل مع التكنولوجيا الأمريكية بوصفها احتمال اختراق استراتيجي أكثر من كونها مجرد أدوات تجارية.
من هنا بدأ مشروع "الفصل التكنولوجي" يتشكل بصمت.
لكن ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا، أن الولايات المتحدة نفسها لم تعد تتحرك ككتلة واحدة.
المنظومة اليوم لم تعد "مجمعًا عسكريًا صناعيًا" فقط، بل شبكة أعمق: أجهزة استخبارات، شركات أمنية، مراكز أبحاث، وشركات تكنولوجيا عملاقة -ما يمكن وصفه بـ"المجمع الاستخباراتي التكنولوجي".
هذا المجمع لا يرى الصين مجرد منافس، بل ضرورة وجودية لاستمرار دورة الإنفاق والنفوذ داخل واشنطن. فكل تصعيد يعني ميزانيات أكبر ونفوذ أوسع.
في المقابل، انقسم وادي السيليكون نفسه بين من يحتاج السوق الصينية فعليًا، وبين من اصطف داخل الخطاب الأمني المتصاعد ضدها. وهنا ظهر التوتر بين "اقتصاد البتات" و"اقتصاد الذرات".
البرمجيات يمكنها الانفصال نسبيًا، لكن الرقائق والتصنيع وسلاسل الإمداد لا يمكنها ذلك بسهولة.
ومن هنا نفهم لماذا يتحرك بعض كبار التنفيذيين الأمريكيين بين واشنطن وبكين بعقلية مزدوجة: خطاب سياسي متشدد من جهة، وواقع اقتصادي متشابك من جهة أخرى.
لكن أخطر ما في المشهد هو تآكل الثقة الاستراتيجية بين الطرفين. حتى الإجراءات البروتوكولية داخل الاجتماعات أصبحت تعكس منطق "الحذر الأمني المطلق": هواتف مؤقتة، معدات تُفحص بالكامل، وبيئة سياسية تشبه قواعد اشتباك غير معلنة.
العالم هنا يدخل فعليًا عصر "الأمن التكنولوجي الشامل"، حيث يمكن لأي جهاز صغير أن يتحول إلى تهديد محتمل للسيادة.
وفي هذا السياق، بدأت تتداول بعض التقارير غير المؤكدة وشبهات إعلامية وتحليلية في واشنطن حول أدوات يومية داخل غرف الاجتماعات السياسية، من بينها ما قيل عن "وسادة" أُزيلت خلال لقاء رئاسي أمريكي بعد أن أثارت شكوكًا أمنية.
وفق هذه المزاعم، جرى التعامل مع قطعة بسيطة من الأثاث باعتبارها قد تحتوي على تقنيات استشعار متقدمة قادرة نظريًا -بحسب تلك التحليلات- على جمع بيانات بيومترية دقيقة مثل الوزن ودرجة الحرارة ومؤشرات صحية مختلفة.
ولا يوجد تأكيد رسمي لهذه الادعاءات، لكنها تعكس مناخًا أوسع من الهوس الأمني المتصاعد في العلاقات الأمريكية–الصينية، حيث لم يعد الاشتباه مرتبطًا بالأجهزة الإلكترونية فقط، بل بكل ما يدخل إلى غرفة القرار.
هذه التفاصيل، سواء كانت دقيقة أو مبالغًا فيها، تكشف نقطة أعمق:
انهيار المسافة بين "المادي" و"الرقمي" في مفهوم الأمن الدولي.
فالوسادة هنا لم تعد مجرد قطعة قماش، بل جزءًا من مخيلة أمنية ترى أن كل شيء قابل للتحول إلى أداة مراقبة.
وهنا يتضح جوهر المرحلة الجديدة:
العالم لا ينقسم فقط إلى قوتين، بل إلى نظامين تكنولوجيين متوازيين، كل منهما يبني بيئته الخاصة من الرقائق، والبرمجيات، والمعايير، وسلاسل الإمداد.
وهذا الانقسام لا يبقى تقنيًا، بل يتحول تدريجيًا إلى انقسام مالي، ثم أمني، ثم جيوسياسي شامل.
السؤال الحقيقي لم يعد: هل تتنافس أمريكا والصين؟
بل: هل يستطيع العالم تحمّل انقسام التكنولوجيا إلى عالمين منفصلين؟
لأن اللحظة التي تنقسم فيها التكنولوجيا… يبدأ العالم نفسه بالانقسام معها.
الكاتب: خليل القاضي