الثلاثاء 19 أيار , 2026 04:12

الشرق الأوسط في استراتيجية الناتو الجديدة: بين العولمة الأمنية وتوازنات القوة

الناتو والشرق الأوسط

تشهد البيئة الدولية تحوّلات متسارعة تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات، في ظل تصاعد الصراعات الجيوسياسية وتراجع أنماط الهيمنة التقليدية التي حكمت النظام العالمي منذ نهاية الحرب الباردة. وفي قلب هذه التحوّلات، يبرز الشرق الأوسط بوصفه ساحة مركزية للتنافس الدولي، تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاستراتيجية للقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

ومع تنامي الحديث عن "عولمة الناتو" وتوسيع أدواره خارج المجال الأوروبي، تتزايد التساؤلات حول مستقبل موقع الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأطلسية، وحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه الدول العربية ضمن الترتيبات الأمنية الجديدة. كما يطرح هذا التحوّل إشكاليات عميقة تتصل بطبيعة الأمن الإقليمي، وحدود الاستقلال السياسي، وإمكانية تحوّل المنطقة إلى فضاء وظيفي لإدارة الصراعات الدولية.

في هذا الإطار، تتناول دراسة "مستقبل مكانة الشرق الأوسط في توجهات حلف الناتو" للدكتور وليد عبد الحي تحوّلات العلاقة بين حلف شمال الأطلسي والمنطقة العربية، وتقدّم قراءة استشرافية لمستقبل الناتو ودوره في الشرق الأوسط في ظل التغيّرات الدولية المتسارعة.

وتبدأ الدراسة بعرض الخلفية التاريخية لنشوء حلف الناتو بعد الحرب العالمية الثانية كأداة غربية لمواجهة الاتحاد السوفييتي، ثم تنتقل إلى شرح كيف تغيّرت وظيفة الحلف بعد انهيار المعسكر الشرقي، ليتحوّل تدريجياً من تحالف دفاعي أوروبي إلى مشروع ذي طابع عالمي تقوده الولايات المتحدة.

وتتوقف الدراسة عند التباين العميق بين الرؤية الأمريكية والرؤية الأوروبية لمستقبل الناتو، فواشنطن تدفع باتجاه "عولمة الناتو" وتوسيع نطاقه نحو الشرق الأوسط وآسيا، بينما تميل أوروبا إلى إبقاء الحلف ضمن إطار أمني إقليمي يركّز على القارة الأوروبية ومحيطها المباشر. كما تستعرض الدراسة الخلافات المتعلقة بالأعباء المالية، والاستقلال الدفاعي الأوروبي، ومواقف الطرفين من أزمات مثل الحرب على إيران ومضيق هرمز.

وفي القسم الخاص بالسيناريوهات المستقبلية، تطرح الدراسة عدة احتمالات لمسار الحلف، أبرزها:

- استمرار الناتو مع شراكة أوروبية أكبر.

- تعاظم الهيمنة الأمريكية على قرارات الحلف.

- اتجاه أوروبا لبناء جيش أوروبي مستقل.

- تفكك تدريجي للحلف بسبب تضارب المصالح.

- توزيع وظيفي جديد بين أمريكا وأوروبا.

أما في ما يتعلق بما يُعرف بـ"الناتو العربي"، فتعتبر الدراسة أن المشروع ليس تحالفاً عربياً مستقلاً، بل امتداداً وظيفياً لاستراتيجية الناتو العالمية، بحيث تتحول بعض القوى العربية إلى أدوات تنفيذ محلية ضمن شبكة أمنية تقودها الولايات المتحدة. كما تربط الدراسة ذلك بمفاهيم مثل "تقاسم الأعباء" و"الأمن المعولم"، وترى أن المنطقة قد تُستخدم كمساحة لإدارة الصراعات الدولية دون أن تجني الدول العربية مكاسب استراتيجية حقيقية.

وتقدّم الدراسة نقداً حاداً للمنظور الأمني العربي، معتبرة أن أغلب الأنظمة العربية تعطي الأولوية لـ"أمن النظام السياسي" على حساب أمن الدولة والمجتمع، وهو ما يجعلها أكثر قابلية للاندماج في ترتيبات أمنية خارجية تخدم المصالح الغربية و"إسرائيل".

وفي خاتمتها، تستشرف الدراسة التداعيات المحتملة لأي تفكك أو إعادة تشكيل للناتو، مثل:

- تنامي سباق التسلح في الشرق الأوسط.

- تحوّل التحالفات إلى ترتيبات مؤقتة ومرنة.

- اتجاه الدول العربية للموازنة بين واشنطن وموسكو وبكين.

- تراجع الأهمية الاستراتيجية للمنطقة مع انخفاض الاعتماد العالمي على النفط.

- تعاظم القلق الأمني الإسرائيلي إذا تراجع الانخراط الأمريكي في المنطقة.

الدراسة بمجملها تُقدّم قراءة استراتيجية تربط بين مستقبل الناتو والتحولات الجيوسياسية الكبرى، وتعتبر أن الشرق الأوسط سيبقى ساحة مركزية للصراع الدولي، لكن بصورة مختلفة عن العقود السابقة، حيث تتغيّر الأدوات وتتبدّل طبيعة التحالفات والأدوار.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

الكاتب: أ. د. وليد عبد الحي




روزنامة المحور