ينشر موقع الخنادق الترجمة الكاملة للمقال التحقيقي الذي نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، والذي يرفع الستار عن الواقع المعقد والمأساوي لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. يوثق المقال، من خلال شهادات حية وخمس قصص لمقاتلين من خلفيات عسكرية مختلفة، حجم الانهيار الأخلاقي والنفسي داخل صفوف الجيش؛ حيث تتداخل مشاهد النهب والسرقة الممنهجة للممتلكات المدنية، مع عمليات التدمير العبثي للقرى اللبنانية، وصولاً إلى حالات الرعب والتجمد من الصدمة تحت وطأة ضربات المقاومة بـ"المسيّرات الانتحارية"، والمعاناة المزمنة من الاضطرابات النفسية (التروما) والوعود السياسية الزائفة بـ"الأمن".
النص المترجم:
رأى نداف أن الجنود يدخلون المنازل وينهبون كل ما تقع عليه أيديهم. بينما كان إيتاي في خضم اشتباك وتجمّد في مكانه من الصدمة. أما إلعاد فقد شعر بالاشمئزاز من تدمير القرى وأقسم ألّا يعود أبدًا. وطلب تومر من أصدقائه ألّا يتحدث أي ضابط في جنازته. وتوقف أور عن حمل مسدسه خوفًا من أن يؤذي نفسه.
هم خمسة جنود من خلفيات مختلفة. يخدمون في الخدمة النظامية والاحتياط، في سلاح المشاة والمدرعات. بعضهم آباء لأطفال، والبعض الآخر أنهى المدرسة الثانوية للتو. بعضهم كان في "بنت جبيل"، وآخرون وصلوا حتى "الليطاني". لكنهم جميعًا يشعرون بأن وقف إطلاق النار هو مجرد وهم، وأن الحزام الأمني المتشكل هو ندبة حُفرت في أجسادهم. هكذا تبدو الإقامة في جنوب لبنان من خلال عيونهم وبكلماتهم.
نداف، 32 عامًا، مقاتل في لواء مشاة احتياط من منطقة المركز
"كانت الطريقة ثابتة. كل ليلة، بعد غروب الشمس، كانت تدخل قافلة من قسم التنقل والمواصلات. كانت مهمتهم تزويدنا بالإمدادات: طعام، زيت، ذخيرة، وكل ما يلزم. لكن كانت هناك مهمة أخرى غير رسمية؛ إخراج كل الغنائم والمسروقات. تفريغ كل النهب في الموقع الذي تتمركز فيه القيادة، لكي ينتظر المقاتلين عندما يخرجون في إجازاتهم إلى منازلهم. بالطبع، جنود قسم التنقل لم يكونوا مغفلين، فكانوا يأخذون أشياء ثمينة لأنفسهم أيضًا. كانوا يقولون لهم: 'فقط اختر ما يعجبك'. ولم يكن هناك نقص في الأشياء المتاحة للنهب.
القرية التي عملنا فيها كانت تخص أناسًا أثرياء؛ مليئة بالفيلات ذات المسابح، السيارات الفاخرة، والمجوهرات. في كل بيت تقريبًا كانت هناك أشياء ثمينة. كنا ندخل المنازل، ونفتحها أولًا بالـ'رطب'، أي نطلق النار في كل اتجاه، ثم نفتش. بعد أن نفهم أن المنطقة آمنة، تبدأ المهمة الحقيقية: تحديد مكان الأشياء الثمينة. بدأ الأمر بأشياء صغيرة وتصاعد تدريجيًا. قام الناس بتحميل سيارات الـ'هامفي' بالسجاد، الدراجات النارية، الكراسي بذراعين، السخانات، ومستودعات كاملة. كان بإمكانك سماع جنود تزيد أعمارهم عن 30 عامًا يتجادلون: 'أنا رأيت هذا أولًا'، 'أنت أخذت الكثير بالفعل من المنزل السابق'.
لكن ذروة الأمر لم تكن المنازل بل المحلات التجارية. كان الجنود يدخلون ويخرجون كل البضائع؛ صناديق كاملة من الحلويات، السجائر، مواد التنظيف، وحتى القرطاسية. أحدهم أخذ حقيبة مدرسية لابنه. وأخذ آخر آلة خراطة. حتى صابون اليدين في الموقع العسكري جاء من لبنان. في أي لحظة، كان بإمكانك رؤية جنود يتجولون في القرية وبحوزتهم معدات مدنية، وشعرنا وكأن هذه هي المهمة الرئيسية.
معظم القادة الكبار لم يهتموا. نهب الجنود حتى عندما جاء قائد اللواء للزيارة وغض الطرف؛ تظاهر بأنه لا يرى. حتى أن قائد الكتيبة تحدث ذات مرة عبر اللاسلكي وقال: 'أذكركم، نحن في أرض العدو، يجب الحفاظ على العملياتية. إذا دخل شخص ما إلى متجر لأخذ شيء، فعليه أن يفتح بالرطب (يطلق النار)، فمن الممكن أن يختبئ هناك مخربون. كان هذا هو النهج: لا توجد مشكلة في أن تنهبوا، فقط لا تُصابوا. حتى الجيش الكبير لم يحاول حقًا إيقافنا، لم يكن هناك أي وجود للشرطة العسكرية عند نقاط العبور على الحدود.
بدأ هذا الأمر يثير اشمئزازي. لقد جئت لضمان أمن سكان الشمال، وليس من أجل السرقة. حاولت الجدال مع الناس ولكن لم يكن هناك من أتحدث إليه. كان هناك من قال إن هذه 'ميتسفا' (فريضة دينية)، وأعطوا الأمر تبريرًا دينيًا. وقال آخرون إنه على أي حال يتم تدمير كل شيء، فلا يوجد سبب لترك أشياء ثمينة هناك. عندما تحدثت مع أحد الضباط عن هذا، تنهد وقال إن الأمر يزعجه أيضًا، 'لكن هناك نقص في الجنود ومن الصعب القدوم إلى أشخاص يؤدون 400 يوم من الخدمة الاحتياطية بطلبات أو شكاوى'. الشعور هو أن الجيش الإسرائيلي أصبح مثل جيش من الفايكنج؛ يسمحون للجنود بالنهب حتى يكونوا راضين ويستمروا في القتال.
بعد أن انفجر الأمر في وسائل الإعلام، عقدوا لنا محادثة. وطالب قائد السرية : 'كل ما حدث هنا، يبقى هنا'. بعد ساعات قليلة دخل المحلات وبدأ في تحطيم كل شيء حتى لا يجد الجنود ما ينهبونه. بدأ الجميع يتظاهرون بالبراءة، ويتصرفون وكأن شيئًا لم يكن. كما لو أنهم لم يخرجون في كل مرة إلى المنزل وصناديق سياراتهم مليئة بالمعدات التي نهبوها. حتى في الموقع العسكري كانت هناك أرائك أخرجناها من لبنان. كانت الأدلة في كل مكان، لكن الجميع خرجوا منها نظيفين".
إيتاي، 20 عامًا، مقاتل في لواء المظليين من منطقة المركز
"أتذكر اللحظة التي أدركت فيها أنني لم أعد قادرًا على الاحتمال. حدث ذلك في منزل كنا ننام فيه في بنت جبيل، في نهاية مارس. لم يتوقف المطر عن الهطول ولم يكن هناك تدفئة. خترق البرد العظام، واختلط بالعرق الذي على الزي العسكري. لم أتوقف عن الارتجاف. حاولت تغطية وجهي بوشاح الرقبة، ولم يساعدني ذلك حقًا. أتذكر أنني بدأت بالبكاء، ولكن بهدوء، وحرصت ألّا يسمعني أحد. كنت منهكًا، ولم أستطع التحرك. لم أستطع النوم. كانت الفئران تتجول في كل مكان، وتتسلق فوقنا. لم يكن لدينا الكثير لنفعله.
في الصباح طلبت من قائد الفصيل البقاء في موقع التمركز (في المنزل) وعدم الخروج للنشاط، لكنه رفض. قال: 'ماذا أنت غبي؟ لا يمكن البقاء هنا، الجميع يتقدمون للأمام، توقف عن كونك خرقة'. وضحك الباقون. جرح هذا كبريائي. لم أكن أحاول التهرب أو الخروج إلى المنزل. كنت في أزمة.
بعد بضعة أيام كنا في اشتباك. أطلق عدة مخربين النار علينا. اندفع أصدقائي وأطلقوا النار دون توقف، لكني تجمدت. شعرت وكأنني صفر، كأنني فاشل. كل ثانية كانت تبدو كأنها دهر. بينما كنت أبحث عن مأوى خلف جدار ما، سقطت إحدى سدادات الأذن الخاصة بي. كان هناك الكثير من ضوضاء إطلاق النار وبدأ طنين في أذنيّ. شعرت أنني أنفصل عن الواقع، وأنني لا أفهم ما يدور حولي. حاول أحد الأصدقاء التحدث معي ولم أفهم ما يقوله. أمسكني من قميصي ودفعني إلى مكان أكثر حماية، خلف أحد المباني. في نهاية الحدث أدركت أن لدينا الكثير من الجرحى. أصيب ثلاثة بجروح خطيرة، وأصيب آخرون أيضًا. شعرت بالذنب.
لم يكن لدينا وقت لاستيعاب الحدث. لم يتوقفوا عن إطلاق النار علينا. قذائف هاون، صواريخ. انفجارات طوال الوقت. ثم بدأت الطائرات المسيرة (الدرونز)، وهذا أخافنا أكثر. لم أتوقف عن النظر إلى السماء. عندما خرجت إلى المنزل، بدا لي كل شيء غريبًا. بعد بضع ساعات أدركت أنني لم أعد أفهم كيف يكون التجول في العالم دون صوت انفجارات، ودون خوف. شعر والداي بأن هناك خطأ ما. سألوني مرارًا وتكرارًا إذا كنت بحاجة إلى شيء، لكن لم تكن لدي القوة لفتح الموضوع أمامهم. فهم يخافون عليّ على أي حال من أن يحدث لي شيء. يحاولون إقناعي بالخروج من الوحدات القتالية، والانتقال إلى وظيفة ما في القيادة. 'إذا حدث لك شيء، لا أعرف ماذا سأفعل بنفسي'، قالت لي أمي. وأخبرتني أختي الصغيرة أنها لا تتوقف عن البكاء عندما لا أكون موجودًا. أثر هذا عليّ، وعصر قلبي.
عندما عدنا إلى الداخل طلبت رؤية ضابط صحة نفسية، لكنهم استمروا في مماطلتي وتصريفي. قالوا إن الأمر صعب الآن، وأن علي الانتظار، شعرت أن كل شيء يغلق عليّ، وأنني غير قادر على البقاء. بدأت أكره الجميع، وشعرت بالوحدة. في النهاية أخرجوني لمقابلة. سألني إذا كنت أريد إيذاء نفسي، وقال إن عليّ أن أتعلم كيف أتنفس بعمق. بدا الأمر سطحيًا للغاية، وكأن هدفه الوحيد هو جعلي أعود للقتال، وليس علاجي أو مساعدتي. في نهاية اللقاء قال إنه يوصي بأن أبقى ليلة أخرى بالخارج، ثم أعود. 'من المهم الحفاظ على الاستمرارية الوظيفية'، هكذا أوضح. حاولت أن أشرح أنني لا أعمل، وأنني غير قادر. قال إننا سنلتقي في المرة القادمة بعد أسبوعين 'ونرى ما إذا كان هناك تحسن'. لم أكن أعرف ماذا أفعل. شعرت أنني بحاجة لإيذاء نفسي حتى يبدأ شخص ما في الاهتمام".
فقط بعد توجه صحيفة هآرتس إلى الجيش، تم توجيه الجندي لتلقي علاج نفسي مكثف تحت متابعة قسم الصحة النفسية في الجيش الإسرائيلي.
إلعاد، 28 عامًا، مقاتل في لواء مشاة احتياط من منطقة الشمال
"قبل ساعات قليلة من دخولنا لبنان للمرة الأولى، جاء قائد اللواء ليتحدث معنا. وقال: 'هذه لحظة تاريخية، نحن ذاهبون لتدمير حزب الله. ستكون هناك معارك صعبة، المخربون ينتظروننا، ربما لن يعود بعضكم. لكن أخيرًا سيتمكن سكان الشمال من العيش هنا بأمان بفضلكم'. هتف الجميع، وشعرت وكأنه طقس وثني. أنا فقط تحركت بعدم ارتياح. لقد كنت في هذا الفيلم من قبل؛ قبل الدخول إلى غزة، وقبل المناورة السابقة في لبنان. دائمًا نفس الوعود، ودائمًا نفس الخيبات.
هذه المرة أيضًا كان الأمر كذلك. في القرية التي دخلناها لم يكن هناك مخربون، وكانت البيوت فارغة. لم يكن هناك قتال هناك، بل مجرد نشاط لتسوية المنازل بالأرض. هذا هو الجيش الإسرائيلي في العامين الماضيين؛ جيش الدفاع لتدمير المنازل. في الأخبار سيتحدثون عن معارك ضارية وتدمير البنى التحتية للإرهاب، لكن مهمتنا كانت واحدة: ألّا نترك مبنى واحدًا قائمًا، أن ندمر كل شيء. في الماضي كان يجب 'إدانة' المبنى لتدميره، أي العثور فيه على أسلحة، أو إثبات وجود مخربين فيه. أما اليوم فيقومون ببساطة بالتدمير، حتى المدارس، والعيادات، فقط المقابر لم نلمسها.
حتى المتفجرات في سلاح الهندسة توقفوا تقريبًا عن استخدامها. أوضح الضباط أن هذا مكلف للغاية وأقل كفاءة. بدلًا من ذلك، يدخلون مقاولين بجرافات 'بواقر' (حفارات عسكرية). بعضهم يتقاضى أجرًا يوميًا، والبعض الآخر حسب عدد المنازل التي يدمرونها. لا أحد منهم جندي، جميعهم مدنيون. ويبدو أيضًا أنه لم يكن أحد منهم في الجيش. كانوا إما مستوطنين متطرفين أو بدوًا ودروزًا. عندما سألت أحد المقاولين كيف يمكن أن يكون هذا، أجاب بأنهم الوحيدون الذين يوافقون على القيام بذلك. ونحن؟ كان دورنا تأمينهم.
كل سرية كانت تتلقى كل يوم مربعًا جديدًا في القرية. كان الشعور هو أننا في سباق مع الزمن، لإنجاز تدمير أكبر عدد ممكن. كل مساء كان على الضباط تقديم تقرير عن عدد المنازل التي دمرتها كل سرية. 'تقييم الإنجاز' كانوا يسمونه. ذات مرة تلقينا أمرًا بوقف الهدم في الساعة الثانية بعد الظهر، لكن المقاول رفض. وقال: 'وعدوني بأن نعمل حتى المساء، لن أخرج من هنا دون تدمير المزيد من المنازل'. واضطر القادة للوصول حتى قائد الفرقة لإقناعه بالتوقف.
بالنسبة للكثير من المتدينين الذين كانوا معي، كانت هذه مهمة سامية. كان قائد الكتيبة هو الأكثر تطرفًا. لقد رفض الخروج إلى المنزل، ولم تفارق الابتسامة وجهه. كان في حالة من الابتهاج الروحي، مثل مشجع متعصب يفوز فريقه بالبطولة بعد 20 عامًا من الجفاف. كان يعتاد القول: 'ما كان لن يعود أبدًا. ما ندمره لن يقوم'. وعندما كان شخص ما يتحدث عن العودة إلى إسرائيل، كان يصحح له: 'هنا أيضًا إسرائيل'.
أما أنا فقد أصابني هذا بالاشمئزاز بشكل رئيسي. كنا ندخل منازل الناس، وكان بعضها لا يزال مليئًا بالمعدات، وبقايا حياة. كما لو أن الناس فروا دون أن يتسع لهم الوقت لجمع أمتعتهم. كانت هناك صور على الجدران، ملابس في الغرف، وأثاث. عصر هذا قلبي. شعرت بعدم الارتياح. كأنني أقتحم منازل الناس، وأقتحم حيواتهم. معظم الأشخاص الذين كانوا معي لم يكترثوا لذلك. كانوا يدخلون ويبحثون عما يمكن سرقته ونهبه. أحيانًا لم يكونون يأخذون أشياء ثمينة، بل مجرد تذكارات؛ أكواب صغيرة، دلة قهوة (فينجان). وآخرون استمتعوا بالتدمير والتخريب. كانوا يأخذون مطرقة ويكسرون، أو يفتحون الخزائن ببساطة ويحطمون الأكواب والأطباق. لم يكن هناك سبب سوى الانتقام.
بعد بضعة أسابيع قررت أنني سئمت. أخبرت القادة أنهم يضغطون عليّ في العمل للعودة، وأنهم يهددون بطردي، لكن هذا كان كذبًا. ببساطة شعرت أنني يجب أن أهرب من هناك. عندما صعدت للمرة الأخيرة إلى القافلة في طريق الخروج، نظرت إلى لبنان وأقسمت ألّا أعود أبدًا، وأن هذه هي المرة الأخيرة".
تومر، 19 عامًا، مقاتل في لواء غيفعاتي من منطقة الشارون
"هذا مخيف، ومن يقول غير ذلك فهو يكذب. عندما يكون هناك اشتباك مع مخربين، يمكن الاندفاع للأمام، اتخاذ مأوى. هناك غطاء من سلاح الجو، ومن المدرعات. يمكن التعامل مع الأمر. لكن مع الطائرات المسيرة، الشعور هو أن الأمر مجرد مسألة حظ. بجانب فصيلي انفجرت بالفعل طائرتان مسيرتان، لكن لم تقع إصابات. عقد قائد السرية محادثة معنا وقال إن هذا بسبب وجود انضباط عملياتي جيد، لكن هذه كانت كذبة العُمر. بضعة أمتار إلى الوراء وكنا سنموت أو ننتهي في مستشفى إيخيلوف بدون ساق. بعد أحد الانفجارات أصابني طنين في أذنيّ، وحتى الخروج لرؤية طبيب لم يسمحوا لي به.
يجب قول الحقيقة، شعورنا الرئيسي في الميدان هو العجز. يخبروننا أن ننصاع للتعليمات، وأن نرتدي معدات الحماية، وألّا نخلع الخوذ من على رؤوسنا، ولكن في الواقع لا يملك الضباط حلولًا حقيقية. يخبروننا أن نضع 'مراقبي سماء'، جنودًا يقفون مثل الأغبياء على تلة وينظرون إلى الأعلى ليروا ما إذا كان هناك شيء قادم. هل هذا هو حل جيش يمتلك مئات الطائرات المقاتلة وميزانية ضخمة؟ كيف يمكن لشخص أن يقف لساعات ويحافظ على ذروة التركيز؟ هذا ببساطة ليس إنسانيًا. الشعور هو أنه لا أحد يلقي لنا بالاً حقًا.
بعد بضعة أسابيع أحضروا لنا منظومة لا تعمل حقًا، وحتى مع منظومة 'الخنجر' (פגיון - نيشان إلكترو-بصري ذكي) لا نصيب دائمًا. يخبروننا أن هناك كل أنواع التجارب ويطلبون منا نشر شباك، لكن لا يمكن نشرها على كامل المنطقة. أحد المتدينين يقرأ كل يوم إصحاحًا من المزامير. هذا ما تبقى لنا، الصلاة.
نحن أهداف ثابتة في الميدان، وفي حزب الله يدركون ذلك، ويستغلون الوضع. بعد ذلك في الأخبار يقولون 'وقف إطلاق نار، وقف إطلاق نار'، عن ماذا تتحدثون؟ هل تعرفون كم عدد الطائرات المسيرة التي يرسلها حزب الله علينا؟ هذا القرف لا ينتهي. هكذا يبدو وقف إطلاق النار؟ كل أنواع السياسيين يتحدثون، يماطلون في الوقت، وفي هذه الأثناء نحن في الميدان وأيدينا مقيدة خلف ظهورنا. إذا حدث لي شيء لا قدر الله، هل سيعتذر أحد لوالديّ؟ لا، سينشرون ببساطة أغنية حزينة في الراديو ويقرؤون اسمي في الأخبار. عندما تحدثنا مع الضباط عن هذا قالوا إنه من الأفضل أن نُصاب نحن وألّا يُصاب المدنيون في الشمال. أفترض أنهم على حق، لكن لا يزال الأمر مخيفًا ومحبِطًا للغاية، لأنه لا يبدو أنهم يفعلون ما يكفي للحفاظ علينا.
على الأقل ثلاثة أصدقاء من فصيلي كتبوا وصاياهم. أنا كتبت رسالة وداع لوالديّ وتركتها في الحقيبة في الموقع العسكري. في إحدى الليالي تحدثنا عما سنقوله في الجنازات إذا مات أحدنا. كان الأمر وكأنه مزاح ولكن ببعض الجدية أيضًا. الجندي الأكثر تحطمًا وصدمة بيننا، ذاك الذي يشتكي في كل مرة يجب فيها فعل شيء، طلب: 'قولوا إنني أحببت الدولة، قولوا إنني كنت بطلاً خارقًا، وإنني كنت أتطوع دائمًا لكي يفخر بي أبي'. أنا قلت إنني أفضّل جنازة هادئة، وأن يتحدث والداي فقط، وربما أخي. لكن هذا كل شيء، ليس أكثر. بدون كل هراء وضجيج الضباط. أنا أكره ذلك".
أور، 36 عامًا، مقاتل في لواء مدرعات احتياط من منطقة المركز
"وصل البلاغ أسرع بكثير مما توقعت. نصف ساعة، ربما أقل، من اللحظة التي سُمعت فيها صفارات الإنذار التي أعلنت عن الحرب. 'يا رفاق، تم استدعاؤنا، هيا إلى مستودعات الطوارئ'. سألتني على الفور: 'ماذا، ماذا حدث؟'؛ لقد فهمت بالفعل. رأت ذلك على وجهي. على أي حال، هذه هي الجولة الخامسة.
وقفت عند مدخل الشقة، وبسطت يديها إلى الجانبين، ممسكة بإطارات الأبواب. وقالت بحزم: 'لن تذهب، سيحدث لك ما حدث في المرة السابقة، هذا ليس عدلاً، أنت لا تفكر بي'. منذ عامين ونحن نحاول الحمل دون نجاح. تقول إن ذلك بسبب التوتر، بسبب الحرب، بسببي. من الصعب لومها. فمنذ أكثر من عام وأنا لست الشخص الذي كنته.
كانت الذروة في الجولة السابقة في لبنان، 'نصف الشمال'. كانت هناك أحداث كثيرة صدمتني، ولكن هناك حدث واحد قلبني رأساً على عقب، وتركني مقطوع النفس والروح، كما لو أن شخصًا ما انتزع روحي. خمسة قتلى كانوا هناك، رجال احتياط مثلي. تم استدعاؤنا للمساعدة في الإخلاء. كان الموت يملأ الأجواء. أشلاء جثث، دماء، وأعضاء مكشوفة. بعد أن انتهى ذلك، شعرت أن شيئًا ما فيّ قد تغير، لقد دمّر ذلك عقلي. دخلت إلى بيت لبنانيين ودمرت كل شيء؛ حطمت لهم المنزل بأكمله. منذ ذلك الحين يصعب عليّ تناول الطعام. أشم رائحة دم، وأشعر أنني أكاد أتذوقه، كما لو أن شخصًا ما يقطره على لساني. توقفت تقريبًا عن الأكل، وأغلقت مصلحتي التجارية. انهار كل شيء.
ومع ذلك قررت الذهاب. ربما لأنني هناك تحديدًا أشعر بأنني طبيعي. مع صفارات الإنذار، مع الانفجارات. في كل مرة كنت أعبر فيها الحدود كنت أشعر بالمرونة والحياة مجددًا. تطوعت بالبقاء في الداخل. حتى عندما كان الجو ممطرًا، وحتى عندما كان يعاني الجميع. كنت أفضّل النوم على الأرض في منازل مدمرة جزئيًا على العودة إلى شقتنا. شعرت أنه هناك، خلف الحدود، يبدو الأمر مقبولاً أن تكون مجنونًا. عدة مرات كنا بجوار الموت؛ سقطت قذائف هاون بالقرب منا، وانفجرت صواريخ. لكن لم يكن هناك قتلى. قضيت شهرين تقريبًا في الخدمة دون أن أرى الموت.
لكن طائرة مسيرة انتحارية واحدة غيرت كل شيء. أصابت جرافة، وأحرقت حتى الموت المواطن البدوي الذي جاء لإصلاحها. تم استدعاؤنا إلى الموقع، لكن لم يكن هناك ما يمكن إنقاذه. لقد قُتل في المكان. وبجانبه كان ابنه. كان في حالة صدمة. كان يصرخ 'أبا، أبا، أبا' (أبي) بالعربية، دون توقف، كما لو كان ممسوسًا بالجنون. كانت نظراته فارغة خاوية.
بعد أسبوعين تم تسريحنا، لكن كلماته بقيت معي. أكثر من عشر سنوات مرت منذ وفاة والدي، ولم أتعافَ بعد. منذ ذلك الحين لا أتوقف عن رؤيته وهو ينادي والده، بنظرته الفارغة. فكرت في الذهاب لمقابلته في شفا عمرو، لكني خجلت. ماذا عساي أن أقول له؟ حتى نفسي لا أستطيع علاجها، وأرفض طلب المساعدة. دائمًا كان الأمر كذلك، يصعب عليّ الاعتراف بأنني أواجه وقتًا عصيبًا. كبرياء ذكوري غبي كهذا، إيغو (غرور). قبل أسبوع قررت أنني سأتوقف عن التجول بالمسدس، ووضعته في الخزنة. خشيت أنه في لحظة ضعف قد أفعل شيئًا بنفسي.
لكن ليس هذا ما يخيفني حقًا. الخوف الحقيقي هو أن تتركني هي. أن تقرر أنها سئمت. من الصعب لومها. إنها جميلة جدًا، وذكية، ما حاجتها لحمل عبء العيش مع شخص تالف ومحطم مثلي؟ حتى أنني لا أستطيع أن أعدها بأنني لن أذهب إذا استدعوني مجددًا؛ لا أريد الكذب. إنها لا تستطيع الفهم. تقول لي: 'هذا يسبب لك سوءًا كبيرًا، إنهم يستغلونك. الدولة تستغلك'. أعلم أنها على حق، لكني أرفض الاستماع. أشعر كأنني سمكة خارج الماء. طوال الوقت أفكر فقط في طريقة للعودة، لأكون هناك مجددًا، في لبنان. بين الحين والآخر أدخل إلى مجموعات الوحدات التي تبحث عن متطوعين، وأفكر في عرض نفسي. أدخل إلى مواقع مختلفة وأنظر إلى صور من جنوب لبنان، وإلى مقاطع فيديو. بالتأكيد سيقرأ الناس هذا ويظنون أنني مجنون، أو مريض نفسي. إنهم على الأرجح محقون".
المصدر: هارتس
الكاتب: غرفة التحرير