يعتبر الدكتور في الدراسات العسكرية أندرياس كريغ، في هذا المقال الذي نشره موقع " Middle East Eye" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن على الإمارات أن تتخلى عن وهم "الاستثنائية الاستراتيجية"، وشبكة علاقاتها الخارجية سواء مع أمريكا وإسرائيل أو روسيا والصين، لأن مشروع "إسبرطة الصغيرة" انهار عند أول مواجهة استراتيجية حقيقية مع الجمهورية الإسلامية في إيران وأظهر هشاشتها، ولو كانت هذه المواجهة غير مباشرة، خلافاً لما حاول كريغ تصويره بأنها مباشرة، لأن الاستهدافات الإيرانية في الإمارات تركّزت على المصالح الأمريكية حصراً. مشيراً الى فشل الإمارات في حشد الدول العربية في الخليج الفارسي خلف مشروع مواجهة عسكرية ضد إيران، لأن هذه الدول لم تثق بالرؤية الإماراتية التصعيدية تجاه طهران.
وعليه، يستخلص غريغ أن الإمارات لا تستطيع الانفصال عن "المصير الخليجي المشترك"، مهما حاولت تقديم نفسها كحالة استثنائية.
لذلك من المفيد للإمارات وغيرها من الدول العربية في الخليج – وفقاً لنا-، إن أرادت تحقيق الأمن والاستقرار لها، الانطلاق من هذه الخلاصة، ليس لتتحول الى منصات للعدوان ضد إيران، بل إلى أن تكون دول حسن جوار حقيقي لها.
النص المترجم:
أمضت الإمارات العربية المتحدة عقدين من الزمن وهي تحاول الهروب من المصير التقليدي للدول الصغيرة، عبر توظيف قوة الشبكات والاتصال المفرط بالعالم.
فبنت الموانئ، واشترت النفوذ، ورعت الميليشيات، وتقربت من واشنطن، ووازنت علاقاتها مع موسكو وبكين، وقدّمت نفسها بوصفها دولة شديدة المرونة، شديدة الثراء، وشديدة الأهمية بحيث لا يمكن للجغرافيا أن تحاصرها.
وكان وصف "إسبرطة الصغيرة" أقل شبهاً بلقب إعلامي، وأكثر شبهاً بعقيدة سياسية: اتحاد صغير يملك طموحات قوة متوسطة، وكفاءة عسكرية نسبية، وقدراً كافياً من النفوذ الشبكي يمكّنه من تشكيل بيئته الاستراتيجية وفق شروطه الخاصة.
لكن الأشهر الثلاثة الماضية كشفت حجم التناقض بين طموحات أبو ظبي والواقع الجيوسياسي. فقد وضعت الهجمات الإيرانية على البنى التحتية الخليجية أبو ظبي أمام التنافر بين صورتها الذاتية كقوة متوسطة، وبين هشاشتها البنيوية كدولة صغيرة.
وفي الآونة الأخيرة، هاجم المستشار الرئاسي أنور قرقاش الجيران والشركاء، فكتب على منصة "إكس" (تويتر سابقاً): "الصديق تحوّل إلى وسيط بدل أن يكون حليفاً ثابتاً وداعماً".
ويعكس هذا المنشور حجم الإحباط داخل أبو ظبي بسبب عجز الدولة عن استخدام نفوذها لحشد الجيران والشركاء خلف موقف أكثر عدوانية تجاه إيران.
وفي مقال الشهر الماضي، هاجم المعلق الإماراتي طارق العتيبة فكرة التضامن العربي والعمل متعدد الأطراف، معتبراً أنهما فشلا في ردع "العدوان الإيراني" جماعياً. وقبل ذلك بشهر، أعلن شقيقه الأكبر، سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة، في مقال رأي، استعداد أبو ظبي للانضمام إلى "مبادرة دولية" لإعادة فتح مضيق هرمز، مع استعداد الإمارات لتحمل جزء من العبء العملياتي.
هذه الرسائل المتحدية تهدف إلى إخفاء حقيقة أكثر قسوة: أدوات النفوذ التي راكمتها الإمارات لم تتحول إلى استقلالية استراتيجية عندما واجهت القوة القسرية لإيران غير المقيدة.
نموذج قاسٍ
لقد أظهرت الوقائع حدود الفرضية الأساسية التي قامت عليها السياسة الإماراتية، وهي أن قوة الشبكات يمكن أن تعوّض غياب العمق الاستراتيجي. ففي عهد الرئيس محمد بن زايد، أتقنت أبو ظبي شكلاً من فن إدارة الدولة يقوم على "تسليح الاعتماد المتبادل".
فالممرات والمراكز اللوجستية، وصناديق الثروة السيادية، وشبكات الإعلام والمعلومات، وتجار السلع، والشركات العسكرية والأمنية الخاصة، وعلاقات الوكالة الممتدة من اليمن إلى السودان، كلها منحت الإمارات نفوذاً يتجاوز بكثير حجمها الطبيعي.
كان هذا النموذج ذكياً، وفعّالاً في أحيان كثيرة، وقاسياً أحياناً أخرى. فقد أتاح لأبو ظبي التدخل في الصراعات والأسواق والصفقات الدبلوماسية، مع الحفاظ على صورة الدولة التي تصنع الأحداث بدلاً من أن تتلقى نتائجها.
لكن النفوذ عبر الشبكات لا يتحول بالضرورة إلى قدرة على فرض النتائج داخل الخليج. فعندما قرر الحرس الثوري الإيراني التصعيد، لم توفّر محفظة الإمارات الواسعة من العلاقات أي قيمة ردعية حقيقية.
فعلى الرغم من استقطاب الإمارات للأموال الروسية والأوليغارش الروس، لم تهرع موسكو للدفاع عن أبو ظبي. أما بكين فاكتفت بلغة القلق والاستقرار المعتادة. وواشنطن قدّمت تطمينات، لكنها لم توفر الكثير من الردع الفعلي.
بل إن البنية ذاتها التي جعلت الإمارات تبدو دولة لا غنى عنها، كشفت أيضاً حدودها. فكونها مركزاً لرأس المال العالمي، وعقدة لوجستية للتجارة الدولية، وشريكاً لجميع القوى الكبرى، جعلها هدفاً مثالياً للحرس الثوري الإيراني. كما أن دمج الشبكات المالية المرتبطة بالحرس الثوري داخل المؤسسات المالية والشركات اللوجستية الإماراتية لم يكن كافياً لفرض ضبط النفس على جار مستعد لتحمل الألم والخسائر.
وهنا تكمن مفارقة السياسة الإماراتية. فالإمارات بنت واحدة من أكثر آلات النفوذ تطوراً في المنطقة، لكنها بقيت أسيرة الجغرافيا. موانئها تقع ضمن نطاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وثروتها تعتمد على الثقة والانفتاح واستمرارية التدفقات. واقتصادها هدف بحد ذاته لأنه مفتوح ومرئي ومتشابك عالمياً.
إظهار التحدي
كل ما تحتاجه إيران لإضعاف الإمارات استراتيجياً هو تذكير المستثمرين وشركات التأمين والشحن والمغتربين بأن الإمارات ليست استثناءً من هشاشة الخليج الأمنية.
ولهذا تبدو اللغة الحالية لأبو ظبي متوترة وهشة. فهي تريد الحفاظ على صورة "إسبرطة الصغيرة": دولة منضبطة، عصية على الاختراق، أكثر كفاءة من جيرانها، وبالتأكيد أقل هشاشة من بقية الدول الخليجية الصغيرة. لكن الحرب أظهرت أن الإمارات تتعرض للضغوط الإقليمية ذاتها التي تواجهها كل الدول الخليجية الصغيرة الأخرى.
لقد اصطدمت صورة "اللامساس" بالحقائق المادية للجغرافيا والديموغرافيا والاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية.
أما الضربات العسكرية الإماراتية الطموحة داخل إيران، رداً على الضربات الإيرانية التي استهدفت البنى التحتية الوطنية الإماراتية الحساسة، فلم تفعل الكثير لإعادة توازن الردع مع الحرس الثوري الإيراني، الذي يمتلك قدرة أعلى بكثير على تحمّل الألم مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي.
وقد جاءت هذه الضربات بعد محاولات من محمد بن زايد لإقناع جيرانه بالانضمام إلى حملة عسكرية مشتركة وأكثر حزماً ضد إيران. لكن بعدما قوبلت الدعوات بالتجاهل، لجأت أبو ظبي إلى الاتصالات الاستراتيجية باعتبارها الأداة المفضلة لإظهار التحدي والحزم والقوة.
وهكذا، جاءت الرسائل الإعلامية الإماراتية في كثير من الأحيان على حساب جيرانها الخليجيين، ومجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، وحتى الشركاء الوسطاء مثل باكستان، عبر اتهامهم بعدم الوقوف بحزم كافٍ إلى جانب الإمارات.
لكن هذا التذمر يكشف أيضاً مشكلة أعمق: فأبو ظبي أمضت سنوات تحاول تجاوز المعضلات الأمنية الجماعية للخليج. وتعاملت مع مجلس التعاون الخليجي ليس كنظام إقليمي ضروري، بل كقيد على الطموحات الإماراتية. لكنها تكتشف اليوم، تحت الضغط، أن الجيران الذين حاولت التفوق عليهم هم أنفسهم الجيران الذين لا يمكنها تثبيت بيئتها الاستراتيجية من دونهم.
المضي في الاتجاه نفسه
من المرجح أن يكون رد الفعل الغريزي في أبو ظبي هو مضاعفة الجهد في المجال الإعلامي والمعلوماتي. سيكون هناك المزيد من الضغط السياسي في واشنطن، والمزيد من الرسائل الاستراتيجية في العواصم الغربية، والمزيد من السرديات المصممة بعناية حول "المرونة الإماراتية" و"الاستثنائية الإماراتية"، إلى جانب المزيد من الإحاطات الهادئة عن "الجيران غير الموثوقين". كما ستكون هناك محاولات لتحويل هذه الأزمة إلى دليل على أن الإمارات تستحق ضمانات غربية أقوى وموقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران.
لكن ذلك لن يحل المشكلة.
فالإمارات لا تحتاج فقط إلى ضمانات ثنائية أقوى من الولايات المتحدة، أو إلى حملة دبلوماسية أكثر صخباً ضد طهران، بل تحتاج إلى الاعتراف بأن مصيرها لا يمكن تحديده بصورة مستقلة بالكامل.
إن الطريق الوحيد القابل للحياة نحو أمن إماراتي مستقر يمر عبر منظومة أمن إقليمية تعترف فيها السعودية وقطر وعُمان والكويت والبحرين والإمارات بأن هشاشتها مشتركة، حتى لو تباينت سياساتها. فلا يمكن لأي دولة منها أن تتوهم أنها قادرة على حماية نفسها بينما يختار الآخرون الموازنة أو الوساطة أو الاحتراق.
وعلى أبو ظبي أن تتوقف عن اعتبار الوساطات التي تقوم بها باكستان أو قطر أو عُمان خيانة، وأن تبدأ برؤيتها كجزء من توزيع للأدوار. كما يجب أن تتوقف عن النظر إلى الحذر السعودي بوصفه ضعفاً، وأن تدرك أن العمق الاستراتيجي السعودي ووزنه في أسواق الطاقة يمثلان عنصرين لا يمكن لأي بنية أمنية تقودها الإمارات أن تستبدلهما.
كما أن الانتهازية الإسرائيلية في تقديم دعم عملياتي للدفاع الإماراتي، ضمن حرب أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على المنطقة، لا يمكن أن تعوض القرب الجغرافي للإمارات داخل منظومة أمن خليجية مشتركة.
إن أبو ظبي لا تستطيع رسم مصيرها إلا إذا اعترفت أولاً بأنها لا تستطيع رسمه وحدها. فطموحها كقوة متوسطة ليس المشكلة، بل المشكلة تكمن في الاعتقاد بأن نشاط القوى المتوسطة يمكنه محو هشاشة الدول الصغيرة.
إن أمن الإمارات المستقبلي لن يتحقق عبر سرديات أعلى صوتاً عن "الاستثنائية"، ولا عبر خيال أن "إسبرطة الصغيرة" تستطيع الوقوف منفصلة عن المصير الجماعي للخليج. بل سيتحقق، إن تحقق، عبر إدراك واقعي وهادئ أن جميع دول الخليج تعيش تحت الظل نفسه، حتى وإن ألقت ظلالاً مختلفة.
المصدر: Middle East Eye
الكاتب: غرفة التحرير