حين تندلع الحروب وتُهجَّر العائلات من بيوتها، تتشقق الأنسجة الاجتماعية التي كانت تحمل الناس في أوقات الاستقرار. ولذا تصبح النصائح الإرشادية العملية في هذه الظروف ضرورةً إنسانية، لا ترفاً معرفياً، إذ تُشكّل مساراً داعماً للصحة النفسية والاجتماعية يُمكّن الأفراد والعائلات من الحفاظ على توازنهم وروابطهم، والتكيّف مع قسوة الأزمات وتجاوز صدماتها.
إن المبادئ الخمسة الأساسية التي تقوم عليها الرعاية النفسية والاجتماعية في حالات الكوارث هي: الشعور بالأمان، والهدوء، والكفاءة الذاتية والمجتمعية، والترابط الاجتماعي، والأمل. وقد لاحظ الباحثون في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات أن الأفراد يميلون إلى أنماط سلوكية تُعبّر عن صعوبة التكيّف، كالانعزال عن المحيط، وتبلّد المشاعر، والإفراط في الحساسية تجاه الأخطار، فضلاً عن شعور جماعي بالعجز وفقدان الثقة في المستقبل. ومن المهم فهم أن الاستجابة للصدمة تمرّ بمراحل خمس: الإنكار، والغضب، والمساومة، والاكتئاب، وصولاً إلى القبول.
وتُصاغ برامج الدعم الناجحة حين تجمع بين الإسعافات النفسية الأولية، والتنظيم المجتمعي، وخدمات الإحالة إلى المختصين، بدلاً من الاقتصار على رسائل التشجيع أو الدلائل الإرشادية المجردة. فالنماذج الأكثر فاعلية هي تلك التي تضع نفسها قريبةً من الناس، تُعالج احتياجاتهم اليومية الملموسة، وتنبثق من شبكات محلية تعرف البيئة والناس جيداً، وتبني برامجها على قابلية الاستمرار والتوسع.
أولاً: المعنويات
تُعدّ المحافظة على الروتين اليومي البسيط من أولى الخطوات نحو استعادة التوازن في أوقات الحرب، لأن الحرب تسرق الروتين قبل أن تسرق المنازل. إن خلق نظام مرن يشمل أوقات الأكل والنوم والنظافة والمهام الصغيرة يمنح الأفراد إحساساً بالأمان، ويُخفف من شعور العجز الذي يُرافق الفوضى. وبالتوازي مع ذلك، ينبغي أن يُوجَّه الانتباه نحو ما يمكن فعله في الوضع الراهن، بدلاً من استنزاف الطاقة في القلق من المجهول. كذلك يُستحسن تقنين استهلاك الأخبار الكارثية، والحرص على أن يسود الكلام الهادئ بين أفراد الأسرة، بعيداً عن الإشاعات وتضخيم الأحداث، مع الإبقاء على تبادل المعلومات الضرورية دون إعادة ترديد ما يُثير الخوف.
ثانياً: الروحانية
في خضمّ النزوح والشتات، يغدو البعد الروحي ركيزةً لا غنى عنها للصمود النفسي. إن تحويل المسكن المؤقت إلى فضاء روحي يُقوّي الارتباط بالله ويمنح الأمل ويُعلّم التسامي رغم الفقد. ويتجلى ذلك في أداء الفرائض والشعائر الدينية بروحية هادئة ومتأملة، مما يمنح شعوراً بالثبات والصمود. كما أن القيام بأعمال خير وخدمة الآخرين يُعيد بناء الإحساس برسالية الدور لدى الفرد والجماعة. ومن الأهمية بمكان أن يتركز الاهتمام على الإيجابيات والنعم الموجودة بدلاً من الانشغال بالمفقود، وأن تُبنى ذاكرة جماعية روحية أقوى من ذاكرة الصدمة، عبر لقاءات الدعم الروحي والفعاليات الثقافية التي تحفظ الهوية وتُعزز الانتماء.
ثالثاً: العلاقات
تتعرض العلاقات الأسرية في ظروف الحرب والنزوح لضغوط هائلة، يُغذيها ضيق المساحة وانعدام الخصوصية والتوتر المزمن، مما قد يُفضي إلى صراعات متكررة أو انسحاب عاطفي. لذا يُشكّل تعزيز العلاقات خط الدفاع الأول ضد الانهيار الأسري. ويبدأ ذلك بالمحافظة على التواصل المنتظم مع الأقارب والمقربين الموثوقين، إذ إن الدعم الاجتماعي يُقلل العزلة ويُعيد بناء الانتماء. ومن المفيد الاتفاق على طريقة للتواصل في حال تفرقت العائلة، وعلى توزيع المهام بين أفرادها، لما في ذلك من تأصيل للتماسك وتقليل للفوضى.
أما الأطفال فيحتاجون عناية خاصة، إذ ينبغي الجلوس معهم وشرح ما يجري بلغة بسيطة وهادئة تناسب أعمارهم، ومنحهم فرصة التعبير عما يشعرون به سواء بالكلام أو الرسم أو السؤال. ويُسهم الحفاظ على روتين ثابت نسبياً للنوم والطعام واللعب في منحهم إحساساً بالأمان وسط الاضطراب. كما تُعدّ ورش الرسم والأنشطة الجماعية التربوية أدواتٍ فاعلة في إعادة بناء يومهم وتمكينهم من مواجهة الانقطاع القسري الذي فرضته الحرب.
رابعاً: النشاط والإسعافات النفسية الأولية
يقع الأفراد والعائلات في حالات النزوح كثيراً في شرك الجمود الجسدي والنفسي، نتيجة تضافر الصدمة والخوف وضيق المساحة. وهذا الجمود يُعمّق الاكتئاب ويُغذي القلق. لذا يصبح النشاط -جسدياً وذهنياً واجتماعياً- أداةً علاجية ووقائية في آنٍ واحد. وتُعدّ الأنشطة البسيطة كالمشي والرسم والكتابة وجلسات الحوار الهادئة كافيةً لحماية الفرد من الجمود النفسي ومنحه شعوراً بالتقدير الذاتي.
وحين تُكمَّل هذه الأنشطة بالإسعافات النفسية الأولية، يتشكّل خط دفاع إنساني متكامل. فالإسعافات النفسية الأولية هي استجابة عملية وعاطفية فورية تهدف إلى تخفيف المعاناة الناجمة عن الصدمة الحديثة، وذلك عبر الاستماع المتعاطف والتهدئة وربط الشخص بالموارد والخدمات الأساسية، مع إحالة الحالات الأشد تأثراً إلى متخصصين نفسيين قادرين على التدخل.
خامساً: مجموعات الدعم المجتمعية وبرامج العون
يُحدث الفراغ الاجتماعي الذي تفرضه الحروب جرحاً عميقاً في نسيج المجتمعات النازحة، وتسعى مجموعات الدعم المجتمعية إلى ردم هذا الجرح من خلال تحويل الأفراد من متلقين سلبيين للمساعدة إلى مشاركين فاعلين في تعافي بيئتهم. وحين تلتقي النساء والرجال والشباب في ورش صغيرة لتبادل الخبرات والمعلومات، وحين تُتاح للأطفال جلسات من الترفيه والفن والحديث البسيط بمشاركة أهلهم، تنشأ مساحات تخفف العزلة وتُعيد بناء الإحساس بالانتماء والأمل.
وعند وضع برامج العون النفسي والاجتماعي، لا بدّ من مراعاة اعتبارات جوهرية: أولها تقييم جدوى البرنامج واستدامته من حيث توافر الموارد وإمكانية العمل الميداني. وثانيها الجمع بين أنواع مختلفة من الدعم، من استشارة فردية وعائلية وتثقيف جماعي، مع الأولوية للقضايا الأكثر إلحاحاً. وثالثها التنسيق مع سائر الجهات المحلية لتقليل التداخل وسدّ الثغرات. ورابعها إدارة المعلومات بمعايير واضحة تحمي سرية البيانات الشخصية وتصون كرامة النازحين وسلامتهم.
تستهدف برامج الدعم الاجتماعي والنفسي في حالات الحرب والنزوح تعزيز قدرة الأفراد والعائلات على التكيّف مع الأزمات وتخفيف أثرها السلبي على الصحة النفسية والاجتماعية. وتقوم هذه البرامج على مستويات متشابكة ومتكاملة: فردية ونفسية، وعائلية، وروحية ومعنوية، واجتماعية وحمائية. غير أن نجاحها الحقيقي لا يكتمل إلا حين تتحول من مجموعة إجراءات عشوائية إلى خدمات منتظمة ومستدامة، قريبة من الناس، مبنية على شبكات محلية، ومصممة لتكون قابلة للنمو والتوسع. فالمرونة المجتمعية لا تُصنع في الغرف المغلقة، بل تُبنى يوماً بيوم في قلب الأزمة، حيث يختار الناس أن يبقوا معاً.
الكاتب: غرفة التحرير