تتحول أزمة التجنيد داخل كيان الاحتلال تدريجياً إلى واحدة من أخطر الأزمات الداخلية التي تواجه المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية منذ سنوات. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالخلاف التقليدي حول إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، إذ باتت تعكس تآكلاً أوسع في العلاقة بين المستوطنين والكيان، وتكشف حدود قدرة الجيش الإسرائيلي على إدارة حروب طويلة ومتعددة الجبهات في ظل إنهاك بشري متزايد.
تقدم المعطيات التي كشفتها الصحافة الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة صورة مقلقة للمؤسسة العسكرية. عشرات آلاف الإسرائيليين مصنفون كمتهربين من الخدمة، مع توقع ارتفاع العدد بصورة كبيرة خلال المرحلة المقبلة، بينما يواجه الجيش عجزاً يقدّر بآلاف الجنود، بينهم عدد كبير من المقاتلين في الوحدات القتالية. يأتي هذا النقص في توقيت يخوض الجيش فيه حرب استنزاف مفتوحة منذ أكثر من عامين ونصف، تمتد من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران.
قام الجيش الإسرائيلي تاريخياً على فكرة "جيش الشعب"، أي المؤسسة الجامعة التي تشكل نقطة التقاء بين مكونات الشارع اليهودي المختلفة. غير أن هذه الصيغة بدأت تتفكك تدريجياً مع تعمق الانقسامات الداخلية. فالحريديم، الذين يشكلون ثقلاً ديمغرافياً متزايداً، يرفض جزء كبير منهم الخدمة العسكرية انطلاقاً من اعتبارات دينية وعقائدية، فيما تتصاعد داخل الأوساط العلمانية مشاعر الغضب من استمرار الإعفاءات التي تمنح لهم منذ عقود.
هذا التوتر تجاوز البعد الاجتماعي، ودخل مباشرة إلى قلب الأزمة السياسية. اذ تعتبر الأحزاب الدينية أن أي محاولة لفرض التجنيد على طلاب المدارس الدينية تمثل استهدافاً لهويتها ومكانتها داخل الكيان، بينما ترى الأحزاب العلمانية أن استمرار الإعفاءات في ظل الحروب الحالية بات عبئاً يصعب تسويقه أمام جمهور يتحمل كلفة بشرية واقتصادية متصاعدة.
من هنا، أصبح قانون التجنيد ملفاً قابلاً لتفجير الائتلافات الحكومية في أي لحظة. حيث تواجه حكومة بنيامين نتنياهو معضلة مركبة؛ فهي تحتاج إلى الأحزاب الحريدية للبقاء في السلطة، وفي الوقت نفسه تدرك أن المؤسسة العسكرية تضغط بقوة من أجل توسيع قاعدة التجنيد بسبب النقص الحاد في القوى البشرية. هذا التناقض يضع الحكومة أمام أزمة مفتوحة يصعب احتواؤها عبر التسويات التقليدية.
تكشف التحذيرات التي صدرت عن قيادة الجيش خلال الأشهر الماضية حجم القلق داخل المؤسسة الأمنية. حيث تحدث رئيس الأركان الإسرائيلي بصورة مباشرة عن خطر انهيار منظومة الاحتياط إذا استمر الوضع الحالي، فيما تؤكد تقارير إسرائيلية أن جنود الاحتياط باتوا يخدمون عشرات الأيام الإضافية سنوياً بصورة تفوق القدرة الطبيعية على التحمل. تعكس هذه المعطيات حجم الاستنزاف الناتج عن الحروب الطويلة، وتوضح أن الجيش بات يعتمد بصورة متزايدة على الفئات نفسها، فيما تتراجع مشاركة فئات أخرى.
تتجاوز الأزمة أيضاً الجانب العددي اذ أن الحرب الطويلة على غزة وما رافقها من خسائر بشرية وضغط نفسي تركت آثاراً عميقة داخل الشارع الإسرائيلي. حيث تحدثت تقارير إعلامية إسرائيلية عن ارتفاع كبير في معدلات الصدمات النفسية بين الجنود العائدين من القتال، وعن تراجع الحافز للخدمة داخل بعض الشرائح الشابة. هذه الظواهر تضرب إحدى الركائز الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على التفوق البشري والقدرة على تعبئة المستوطنين بسرعة خلال الحروب.
في المقابل، تحاول المؤسسة العسكرية تعويض النقص عبر حلول مؤقتة، مثل تمديد الخدمة الإلزامية وزيادة أيام الاحتياط والتوسع في دمج النساء داخل الوحدات القتالية. غير أن هذه الإجراءات تثير بدورها حساسيات سياسية واجتماعية، خاصة مع تصاعد الاعتراضات في الشارع الإسرائيلي على استمرار الحروب المفتوحة من دون أفق أو جدول زمني.
الأخطر في هذه الأزمة أنها تكشف حدود النموذج الإسرائيلي نفسه بعد عقود من الاعتماد على التفوق العسكري كعامل توحيد داخلي. فكلما طالت الحروب، ازدادت الانقسامات الاجتماعية وضوحاً، وارتفعت كلفة الحفاظ على حالة التعبئة الدائمة. كما أن التفاوت في توزيع الأعباء بين المتدينين والعلمانيين، وبين المركز والأطراف، بدأ يتحول إلى مصدر احتقان داخلي دائم.
ضمن هذا المشهد، يبدو ملف التجنيد مرشحاً للتحول إلى عنوان مركزي للصراع السياسي داخل كيان الاحتلال خلال السنوات المقبلة. فالخلاف حول عدد المجندين أو مدة الخدمة، أصبح يرتبط بسؤال يتعلق بشكل الكيان نفسه، وهوية "المجتمع"، وحدود قدرة النظام السياسي على فرض التزامات متساوية على جميع مكوناته.
لهذا، تنظر دوائر إسرائيلية عديدة إلى أزمة التجنيد باعتبارها مؤشراً على أزمة أوسع تضرب تماسك الداخل الإسرائيلي في مرحلة تتزايد فيها التحديات الأمنية والإقليمية. ومع استمرار الحروب والاستنزاف، تبدو قدرة المؤسسة السياسية على تأجيل الانفجار الداخلي أكثر صعوبة، خاصة في ظل اتساع الفجوة بين متطلبات الجيش وحسابات الائتلافات الحاكمة.
الكاتب: غرفة التحرير