منذ اللحظة التي توسّع فيها العدوان الأميركي الإسرائيلي ضد إيران، بدأت دول الخليج تدفع أثماناً تتجاوز كثيراً حدود الاشتباك العسكري. فالحرب الدائرة تضرب البيئة الإستراتيجية التي بنت عليها العواصم الخليجية مشاريعها الاقتصادية والأمنية طوال العقود الماضية. ومع اتساع دائرة الاستهداف، تتحول المنطقة تدريجياً إلى ساحة استنزاف مفتوحة، تتآكل فيها معادلات الردع والاستقرار والاستثمار في آن واحد.
اذ يجد الخليج الذي سوّق نفسه خلال السنوات الأخيرة باعتباره مركزاً مالياً وسياحياً عالمياً، نفسه اليوم أمام اختبار صعب يتعلق بقدرته على الحفاظ على صورته كمنطقة آمنة. هذا العامل تحديداً شكّل الركيزة الأساسية لرؤى التحول الاقتصادي في السعودية والإمارات، حيث جرى استقطاب مئات الشركات العالمية والصناديق الاستثمارية والمشاريع العملاقة على قاعدة الاستقرار السياسي والأمني. غير أن الضربات المتبادلة في الإقليم، واستهداف منشآت وقواعد ومرافق حيوية، أحدثت تصدعاً في هذه الصورة التي احتاج بناؤها سنوات طويلة وكلفت مئات المليارات.
ولا يقتصر الضرر على الخسائر المباشرة أو المخاوف الأمنية فالمشكلة الأعمق تتعلق بتحول الخليج إلى منطقة تقع داخل نطاق النار في أي مواجهة مقبلة بين طهران وواشنطن أو كيان الاحتلال. هذه الحقيقة تفرض معادلات جديدة على الحكومات الخليجية، خاصة أن القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة تجعل العديد من الدول أهدافاً محتملة بصورة تلقائية، حتى لو حاولت التمسك بخطاب الحياد.
خلال السنوات الماضية، راهنت دول الخليج على ما يمكن وصفه بمظلة الحماية الأميركية، سواء عبر استضافة القوات الأجنبية أو عبر الإنفاق العسكري الضخم وصفقات التسليح المتتالية. غير أن الحرب الحالية كشفت حدود هذه المقاربة، بعدما أظهرت التطورات أن امتلاك أحدث أنظمة الدفاع الجوي لا يمنع تحول العمق الخليجي إلى ساحة تهديد دائم، خاصة في ظل تطور القدرات الصاروخية والمسيرات الإيرانية.
ومع استمرار التصعيد، تبدأ حرب الاستنزاف الفعلية فأنظمة باتريوت وثاد التي جرى الترويج لها كأدوات حماية استراتيجية، تحتاج إلى كلفة تشغيل واعتراض وصيانة هائلة. أي مواجهة طويلة تعني استنزافاً متواصلاً للمخزون الدفاعي الخليجي، وارتفاعاً غير مسبوق في الإنفاق العسكري، في وقت تحاول فيه هذه الدول توجيه مواردها نحو مشاريع التنويع الاقتصادي والمدن الذكية والبنى التحتية العملاقة.
يمتد الاستنزاف أيضاً إلى قطاع الطاقة، وهو العمود الفقري لاقتصادات الخليج. حيث رفعت التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز تكاليف التأمين والشحن البحري، وأعادت إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بأمن صادرات النفط والغاز. حتى مع وجود خطوط وموانئ بديلة في السعودية والإمارات، تبقى القدرة الاستيعابية محدودة مقارنة بحجم الصادرات اليومية التي تمر عبر الخليج.
يضع هذا الواقع الأسواق الخليجية أمام واقع جديد فأسعار النفط قد ترتفع مرحلياً بفعل التوتر، غير أن استمرار الحرب يضرب الثقة الاقتصادية ويهدد الاستثمارات الأجنبية والسياحة والتجارة والخدمات المالية، وهي القطاعات التي تراهن عليها العواصم الخليجية لتقليل الاعتماد على النفط. اذ يبحث المستثمر الدولي أولاً عن بيئة مستقرة، وأي اهتزاز طويل الأمد في الأمن الإقليمي يدفع رؤوس الأموال إلى إعادة التموضع نحو مناطق أقل خطراً.
كما تتعلق المعضلة الأخطر بالتحول الجيوسياسي الذي تفرضه الحرب فالتفاهمات التي جرى بناؤها خلال السنوات الأخيرة بين الخليج وإيران، وخاصة الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية، تواجه اختباراً أيضاً.
وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط الأميركية على الدول الخليجية لتوسيع مستوى التنسيق العسكري وتقديم تسهيلات لوجستية وأمنية أكبر. تضع هذه الضغوط أيضاً الحكومات الخليجية أمام معضلة الاستجابة الكاملة قد تستجلب رداً إيرانياً مباشراً، ومحاولة النأي بالنفس التي لم تعد تضمن الحماية كما كان يُعتقد سابقاً.
يدخل الخليج تدريجياً مرحلة جديدة عنوانها تآكل فكرة "الاستقرار المحصّن". فالمنطقة التي نجحت في تقديم نفسها كنقطة جذب عالمية للاستثمار والأعمال والسياحة، تجد نفسها اليوم أمام حرب تستنزف المال والأمن والقدرة على المناورة السياسية في وقت واحد. وكلما طال أمد المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، ازدادت كلفة هذا الاستنزاف على الدول الخليجية، سواء شاركت مباشرة في الحرب أم حاولت البقاء خارجها.
الكاتب: غرفة التحرير