كشفت الحرب الإسرائيلية على لبنان عن تحوّل عميق في نظرة المؤسسة العسكرية الصهيونية إلى طبيعة الصراع، إذ دخلت "إسرائيل" هذه الحرب تحت شعار فرض السيطرة الأمنية على الجبهة الشمالية وإعادة الهدوء إليها، غير أن الشهادات الميدانية الصادرة عن ضباطها وجنودها سرعان ما كشفت عمق الارتباك وتصاعد شعور العجز داخل صفوف قواتها المنتشرة في جنوب لبنان.
لم تعد الحرب تُقاس بمقاييس التقدم الميداني أو السيطرة الجغرافية، بل باتت تُقرأ في مرآة الاستنزاف النفسي والتنظيمي المتراكم. فقد اعترفت مصادر عسكرية إسرائيلية متعددة بأن حزب الله غيّر نمط عملياته بصورة جذرية، منتقلاً نحو توزيع الضربات على امتداد الجبهة بوتيرة ثابتة ومتواصلة بدلاً من الضربات الكثيفة التقليدية، وهو ما أفضى إلى إبقاء قوات الاحتلال في حالة استنفار دائم لا يُتيح لها الاستراحة أو إعادة التنظيم. وقد وصف ضباط إسرائيليون الوضع في شمال فلسطين المحتلة بأنه "أسوأ بكثير مما كان عليه عشية الحرب".
برز سلاح الطائرات المسيّرة بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل وعي الجنود الإسرائيليين بطبيعة المعركة، فقد أقرّت مصادر عسكرية عديدة بغياب أي حل ميداني فعّال للطائرات المسيّرة المفخخة، لا سيما تلك التي تعمل بالألياف البصرية التي تُحيّد وسائل الحرب الإلكترونية التقليدية وتجعلها عديمة الأثر. ووصف ضباط كبار هذا السلاح بأنه "السلاح المركزي لحزب الله"، فيما اعترف جيش الاحتلال بأن استخدام المسيّرات الصغيرة يتزايد يومياً وفق ما بات يُعرف بـ"النموذج الأوكراني". وقد انعكس هذا الواقع مباشرة على سلوك الجنود في الميدان، حيث تحدثت هآرتس عن جنود باتوا يختبئون نهاراً خشية المسيّرات، ويراقبون السماء باستمرار في ترقب هجوم مفاجئ، معتبرين أن النجاة أصبحت مرتبطة بالحظ أكثر من الكفاءة القتالية. وقد اضطر بعضهم إلى الاستعانة بشباك الصيد لحماية مواقعهم في ظل اعترافهم بأن كثيراً منها لا تزال تفتقر إلى أي درع واقٍ حقيقي.
يتعمّق شعور الإقرار بالفشل حين نقلت صحيفة كالكاليست عن مسؤولين أن المؤسسة العسكرية "استيقظت متأخرة" رغم معرفتها بتهديد المسيّرات قبل سنوات، إذ كانت رهاناتها معقودة على حلول مستقبلية لم تُستكمل كنظام الليزر الذي لم يدخل الخدمة العملياتية حتى الآن، بينما يتكبّد الجنود في الميدان ثمن هذا التأخير يومياً. واعترف أحد كبار المسؤولين صراحةً: "في النهاية، نحن غير مستعدين، وهذا أمر سيء".
على صعيد موازٍ، عكست التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية إدراكاً متزايداً لقدرة حزب الله على التكيّف السريع وتطوير أساليبه العملياتية؛ فقد دحضت تقارير استخباراتية إسرائيلية الرواية القائلة بأن الحزب تفكّك إلى "خلايا معزولة"، مؤكدةً أنه لا يزال يعمل كتنظيم عسكري متماسك يمتلك قدرات قيادة وسيطرة فعّالة. وقد جلّى ذلك استهداف قائد اللواء 401 داخل موقع كان مُصنَّفاً "آمناً"، في دلالة واضحة على قدرة حزب الله على تتبع تحركات الضباط وتحويل ما كان يُعدّ مأمناً إلى هدف مكشوف.
مع تعثّر قدرة جيش الاحتلال على تحقيق حسم ميداني، تكشف شهادات جنوده أن جزءاً واسعاً من العمليات تحوّل من البحث عن أهداف قتالية إلى سياسة تدمير ممنهجة للقرى والبنى المدنية اللبنانية. وقد أقرّ ضباط بأن "المهمة الأساسية أصبحت هدم المنازل"، فيما شبّهت مصادر عسكرية طريقة عملهم في جنوب لبنان بطريقة عملهم في قطاع غزة، وهو ما يعكس انتقالاً من منطق الانتصار العسكري إلى منطق إعادة تشكيل البيئة الجغرافية والسكانية دون تحقيق أي إنجاز حاسم.
وبالتوازي مع هذا كله، تتصاعد الأزمة النفسية داخل قوات الاحتلال بصورة لافتة؛ فقد كشفت مقابلات هآرتس مع جنود عن معاناة حقيقية من اضطرابات النوم والأكل، وعن مشاهد قتال ودمار لا تفارق أذهانهم. واعترف مسؤولون في شعبة القوى البشرية بأن جيش الاحتلال يُخفي الأعداد الحقيقية للجنود المسرّحين بسبب الأزمات النفسية، مؤكدين أن حجم الظاهرة كبير جداً لدرجة تدفع المؤسسة إلى التكتم عليه.
وفي قلب هذا المشهد كله، تتراكم أزمة الثقة بالقيادة وتتعمّق؛ إذ تكرّرت عبارات من قبيل "لا نفهم استراتيجية قادتنا" و"مهمتنا غير مفهومة" و"لا نعرف إن كان الجيش يريد وقف إطلاق النار أم توسيع الحرب"، بما يعكس ارتباكاً حقيقياً لدى من يخوضون المعارك حول الغاية من وجودهم. وقد اعترف ضباط بأن الحرب لن تؤدي إلى نزع سلاح حزب الله رغم تمسك الحكومة بهذا الهدف، فيما رأى آخرون أن البقاء في جنوب لبنان بات "بلا جدوى".
خلاصة القول، باتت الحرب على لبنان تعكس أزمة أعمق بكثير من مجرد إخفاقات ميدانية تكتيكية؛ إنها أزمة تطال بنية التفكير العسكري الإسرائيلي في جوهره. فبدلاً من صورة الجيش الذي يفرض الحسم بتفوقه التكنولوجي، برزت صورة مؤسسة عسكرية تواجه بيئة قتالية معقدة تُرهقها ميدانياً ونفسياً، وتعجز أدواتها التقليدية عن احتوائها، في حين يُحكم حزب الله قبضته على معادلات الاستنزاف ويُواصل تكيّفه وتطوّره. وفي المحصلة، تكشف هذه الشهادات أن الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان بات يُثقل كاهل جيش الاحتلال أكثر مما يُحقق له من مكاسب استراتيجية.
الكاتب: غرفة التحرير