الجمعة 22 أيار , 2026 04:37

هرمز.. كيف تحوّل اسمٌ قديم إلى عقدة تتحكم بمصير الطاقة العالمية

في السياسة، لا تبقى الأسماء حيادية طويلاً.

بعض الأسماء يتحول مع الوقت إلى خرائط نفوذ، وبعضها يصبح جزءاً من عقيدة أمن قومي كاملة. وهذا ما حدث تماماً مع هرمز. فالمضيق الذي يراه العالم اليوم مجرد ممر تعبر منه ناقلات النفط، تنظر إليه إيران باعتباره أكثر من ذلك بكثير: امتداداً جغرافياً لهويتها الاستراتيجية، وبوابة تتحكم بإيقاع الطاقة العالمي، وعقدة بحرية تجعل من طهران لاعباً لا يمكن تجاوزه مهما بلغت الضغوط والعقوبات.

ولذلك، حين تتحدث إيران عن مضيق هرمز، فهي لا تتحدث فقط بلغة القانون البحري، بل بلغة التاريخ والجغرافيا والزمن والقوة معاً.

لأن هرمز لم يكن دائماً كما نعرفه اليوم.

وهنا تبدأ القصة الأعمق.

جزيرة هرمز الإيرانية، الواقعة جنوب بندر عباس، ليست مجرد جزيرة صغيرة وسط الخليج العربي. هذه الجزيرة تبدو وكأنها قطعة منفصلة عن العالم؛ تربة حمراء تلامس البحر، جبال ملحية، ألوان متداخلة بين الأحمر والذهبي والفيروزي، ومشهد جيولوجي نادر جعلها تُوصف بأنها واحدة من أهم القباب الملحية في العالم. لكن القيمة الحقيقية للجزيرة ليست في جمالها الطبيعي فقط، بل في موقعها.

الجغرافيا هنا لا تُشاهد… بل تُستخدم.

فالجزيرة التي كانت تُعرف لدى الإغريق باسم "أورجانا"، وارتبط اسمها بمدينة هرمز الساحلية القديمة، تحولت عبر القرون إلى مركز للتجارة والملاحة بين الهند وفارس والعراق وخراسان. كانت هرمز، منذ القرن السادس عشر، أشبه بمحطة إجبارية في قلب التجارة البحرية بين الشرق والغرب. البرتغاليون فهموا مبكراً أن من يسيطر على هرمز يقترب من التحكم بتجارة المحيط الهندي، ولذلك بنوا قلاعهم فيها قبل أن يدخل الصفويون في صراع طويل لاستعادتها.

في ذلك الزمن، لم يكن النفط قد أعاد تشكيل العالم بعد.

كان هرمز عقدة تجارة.

ثم تغيّر كل شيء.

مع اكتشاف النفط في الخليج خلال القرن العشرين، انتقل المضيق من كونه ممراً تجارياً إلى شريان طاقة عالمي. لم تعد السفن تحمل التوابل والحرير فقط، بل بدأت تحمل ما سيصبح الوقود الأساسي للاقتصاد الصناعي العالمي. هنا تبدّل معنى هرمز بالكامل. الجغرافيا نفسها بقيت ثابتة، لكن قيمة الجغرافيا انفجرت استراتيجياً.

وهذا ما يجعل المضيق اليوم أخطر بكثير مما كان عليه قبل مئات السنين.

لأن العالم الحديث بُني عملياً على تدفق الطاقة عبر البحار.

بعد الحرب الباردة تحديداً، اكتسب هرمز معنى أميركياً مختلفاً. الولايات المتحدة لم تنظر إلى المضيق باعتباره مجرد ممر نفطي، بل كجزء من بنية النظام العالمي الذي تقوده. حرية الملاحة البحرية أصبحت بالنسبة لواشنطن ركناً من أركان الهيمنة الدولية، وأي قوة إقليمية قادرة على تهديد هذا التدفق تعني تهديداً مباشراً لفكرة النظام العالمي المفتوح نفسه.

ولهذا تحوّل الخليج تدريجياً إلى أحد أكثر المناطق عسكرة في العالم.

لكن التحول الأكبر ربما جاء مع صعود الصين.

فهنا دخل هرمز مرحلة استراتيجية جديدة بالكامل.

الصين، التي تحولت إلى مصنع العالم، أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على نفط الخليج. وكل ناقلة تعبر مضيق هرمز باتت مرتبطة، بطريقة أو بأخرى، باستقرار الاقتصاد الصيني وسلاسل الإمداد الآسيوية. بمعنى آخر، لم يعد المضيق مجرد عقدة بين إيران والولايات المتحدة، بل أصبح نقطة تقاطع بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.

وهنا تحديداً تتضاعف خطورة هرمز.

لأن أي أزمة فيه لم تعد ترفع أسعار النفط فقط، بل تهدد الاقتصاد العالمي نفسه، من آسيا إلى أوروبا مروراً بالأسواق الأميركية. ولهذا لا يُنظر إلى المضيق كجغرافيا محلية، بل كجزء من معركة أوسع على الممرات البحرية العالمية، من باب المندب إلى قناة السويس وصولاً إلى بحر الصين الجنوبي.

إيران تدرك ذلك جيداً.

ولهذا تحاول دائماً ربط المضيق باسم هرمز وجغرافيتها التاريخية، وكأنها تقول بصورة غير مباشرة إن هذه العقدة البحرية لم تكن يوماً منفصلة عن المجال الإيراني. قد يختلف المؤرخون حول أصل التسمية؛ هناك روايات عربية تربط الاسم بمملكة هرمز العربية، وأخرى فارسية تربطه بإرث ديني وساساني قديم، لكن طهران لا تحتاج إلى حسم هذا الجدل بالكامل.

ما تحتاجه فعلياً هو تثبيت الرابط النفسي بين الاسم والسيطرة، ومن هنا تصبح المسألة أخطر من مجرد نقاش تاريخي.

لأن إيران نجحت خلال العقود الماضية في بناء معادلة مختلفة: تحويل الجغرافيا إلى قوة ردع. فالقصة لم تعد مرتبطة فقط بمن يملك السيادة القانونية على المياه، بل بمن يملك القدرة على التحكم بالإيقاع الأمني والعسكري للممر بأكمله.

لنقلها بشكل أوضح

القانون الدولي يقول إن مضيق هرمز ممر دولي يخضع لنظام "المرور العابر" وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، أي أن السفن والطائرات تملك حق العبور دون تعطيل، ولا تستطيع الدول الساحلية إغلاق المضيق قانونياً.

لكن الخرائط العسكرية لا تُقرأ مثل نصوص الاتفاقيات.

إيران تدرك أن المضيق، رغم صفته الدولية، هو عملياً عنق زجاجة بحري شديد الحساسية. عرضه محدود، وخطوط الملاحة تمر بمحاذاة مناطق نفوذها العسكري، بينما تنتشر قواعد الحرس الثوري والصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والجزر المحيطة ضمن مساحة تسمح لطهران بامتلاك ما يمكن وصفه بـ "السيطرة العملياتية" حتى من دون سيادة قانونية كاملة.

وهذا الفارق بالغ الأهمية.

السيادة القانونية تمنح الشرعية على الورق. أما السيطرة العملياتية فتعني القدرة على فرض الوقائع عند لحظة الصدام. والعالم يعرف جيداً أن إيران، حتى لو لم تستطع إغلاق المضيق بشكل دائم، قادرة على تحويله خلال ساعات إلى أخطر نقطة بحرية على وجه الأرض.

وربما هنا تكمن العقدة التي تقلق القوى الكبرى.

لأن واشنطن لا تخشى فقط إغلاق المضيق، بل تخشى تحوله إلى سابقة جيوسياسية تسمح لقوة إقليمية بإعادة تعريف حرية الملاحة العالمية. وفي المقابل، ترى طهران أن وجود الأساطيل الأميركية قرب هرمز ليس مجرد انتشار عسكري، بل اقتراب مباشر من شريانها السيادي الحساس.

وهكذا يتحول اسم "هرمز" من مجرد تسمية جغرافية إلى معادلة قوة عالمية.

فحين يحمل المضيق اسم جزيرة إيرانية، وحين تملك إيران السيطرة العسكرية على ضفته الشمالية والجزر المحيطة، فإن طهران تحاول تكريس فكرة عميقة للغاية: أن أمن الخليج لا يمكن فصله عن النفوذ الإيراني، وأن الجغرافيا نفسها صُممت بطريقة تجعل من إيران حارس البوابة الشمالية للطاقة العالمية.

ولهذا لا تخاف القوى الكبرى من إيران وحدها

بل من الجغرافيا التي تقف خلفها.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور