الثلاثاء 26 أيار , 2026 02:04

اتفاق إيران يكشف الشرخ الأميركي: تجارة سياسية بنتائج الحرب

تكشف السجالات الدائرة في الولايات المتحدة حول الاتفاق المحتمل مع إيران حجم الانقسام داخل المؤسسة الأميركية بشأن الحرب التي خاضتها وكيان الاحتلال ضد طهران، بعدما تحولت المواجهة من مشروع لإعادة رسم التوازنات الإقليمية إلى أزمة سياسية داخلية تتعلق بكلفة الحرب وحدود القوة الأميركية وقدرة إدارة دونالد ترمب على تحويل التصعيد العسكري إلى إنجاز سياسي قابل للتسويق الداخلي بالدرجة الأولى.

الانقسام لم يعد محصوراً بين الجمهوريين والديمقراطيين، إذ بات واضحاً أن الشرخ الأكبر يمر داخل المعسكر الجمهوري نفسه. فالقوى التي دعمت الحرب تحت عنوان منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي ترى أن أي تسوية سريعة تمنح طهران فرصة لالتقاط أنفاسها اقتصادياً وسياسياً بعد أشهر من الاستنزاف. وفي المقابل، يحاول ترامب تقديم الاتفاق باعتباره مخرجاً عملياً من حرب تحمل مخاطر اقتصادية عالمية وتستنزف الرصيد السياسي للإدارة الأميركية.

يضع هذا التناقض الإدارة الأميركية التي دفعت نحو الحرب تحت سقف مرتفع، تحدث عبر إخضاع إيران وإجبارها على تغيير سلوكها الإقليمي والنووي، أمام واقع مختلف. اذ أن الضربات العسكرية التي استهدفت منشآت حساسة مثل فوردو ونطنز وأصفهان، وألحقت أضراراً بالبنية النووية الإيرانية، لم تنتج انهياراً سياسياً داخل إيران، ولم تؤدِّ إلى فرض شروط أميركية على طهران أو على حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وهذا ما تطلب تحولاً في الخطاب الأميركي فالأولوية انتقلت من فكرة الحسم إلى فكرة الاحتواء، والبحث عن هدنة طويلة تمنع انفجار أسواق الطاقة وتحمي الاقتصاد الأميركي من تداعيات مواجهة ممتدة في الخليج.

وتشير التقارير الأميركية التي تحدثت عن إطار اتفاق ناشئ إلى تفاهم يقوم على وقف الأعمال العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز وبدء مفاوضات لاحقة حول البرنامج النووي الإيراني. في حين أن هذه الصيغة فجّرت خلافاً حاداً داخل الحزب الجمهوري، لأن الصقور يعتبرون أن وقف الضغط قبل حسم ملف التخصيب يمنح إيران وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب أوراقها.

وظهر هذا القلق بوضوح أيضاً في مواقف شخصيات جمهورية نافذة مثل ليندسي غراهام وتيد كروز وروجر ويكر. اذ ينظر هؤلاء إلى أي اتفاق يسمح لإيران بالاحتفاظ بحق التخصيب أو السيطرة الفعلية على هرمز باعتباره تراجعاً أميركياً بعد حرب مكلفة. وتزداد حساسية هذا الموقف مع الحديث عن احتمال تخفيف العقوبات والسماح لطهران باستعادة جزء من صادراتها النفطية خلال فترة التهدئة.

داخل هذا الجدل، تبدو الحسابات الإسرائيلية حاضرة بقوة، فحكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو دفعت منذ بداية الحرب نحو مقاربة تقوم على استمرار الضغط العسكري حتى فرض معادلة ردع جديدة في المنطقة، فيما يثير أي اتفاق مرحلي مخاوف تل أبيب من عودة إيران إلى الساحة الإقليمية بقدرات مالية وسياسية أكبر. لهذا السبب تنظر دوائر إسرائيلية عديدة إلى الاتفاق المحتمل باعتباره تسوية تمنح طهران فرصة للتعافي أكثر مما تفرض عليها قيوداً استراتيجية حقيقية.

أما ترامب، فيحاول الدفاع عن الاتفاق عبر تقديمه بوصفه مختلفاً عن اتفاق أوباما النووي. اذ يدرك أن صورته السياسية ترتبط بقدرته على الظهور بموقع الرجل الذي أنهى الحرب وخفف الضغط على الاقتصاد الأميركي وخفض أسعار الطاقة. ولهذا يركز خطابه على فتح هرمز ومنع التصعيد وإطلاق مسار تفاوضي جديد تحت رقابة دولية.

غير أن المشكلة الأساسية التي تواجه البيت الأبيض تتعلق بطبيعة الاتفاق نفسه حيث أن معظم القضايا الجوهرية جرى ترحيلها إلى مفاوضات لاحقة تمتد لأسابيع أو أشهر، وفي مقدمتها مصير اليورانيوم عالي التخصيب وآليات الرقابة وحدود البرنامج النووي الإيراني. وهذا ما يدفع خصوم الاتفاق داخل واشنطن إلى اعتباره هدنة مؤقتة.

في المقابل، تتعامل طهران بحذر واضح مع الطروحات الأميركية. اذ يركز الخطاب الإيراني على أن أي اتفاق يجب أن يبدأ من الاعتراف بالسيادة الإيرانية ورفع الضغوط الاقتصادية، مع الحفاظ على الحق في برنامج نووي مدني. كما تؤكد إيران أن مضيق هرمز يبقى جزءاً من معادلاتها السيادية والأمنية، وهو ما يعني أن واشنطن لم تنجح حتى الآن في فرض شروطها الكاملة رغم التفوق العسكري الكبير.

تكشف هذه الأزمة أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران فتحت انقساماً داخلياً واسعاً في الولايات المتحدة حول معنى القوة وحدودها فواشنطن التي دخلت المواجهة تحت عنوان فرض معادلة جديدة تجد نفسها اليوم أمام تسوية مجبرة عليها.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور