يشهد التفكير الصهيوني حول الصراع في المنطقة عمومًا، وضد لبنان خصوصًا، تغيّرًا في العقيدة الأمنية والقتالية بما يمكن أن يتجنّب العجز أو فشل الحروب غير المتكافئة على مستويات عدة تؤثر على سياقات الحرب. كيف تتغير العقيدة وبأي اتجاهات؟ ولماذا تفشل وكيف تؤثر مسارات الحروب على تطورها؟ وما هي المسارات التي يمكن أن ينحو العدو الصهيوني باتجاهها؟ هذه الأسئلة وغيرها هي مدار هذه الورقة النقدية المرفقة أدناه للفكر الاستراتيجي الصهيوني. تتدرّج بالبحث من قراءة تحليلية للتحولات التي طرأت على العقيدة وفق مسارات الحروب من التسعينيات حتى اليوم، مرورًا بإشكاليات العقيدة الجديدة، ومساءلة الفعاليات والآليات والخيارات. تعتمد الدراسة على معطيات مجموعة من دراسات مركز الاتحاد ورؤية الردع في الصراع غير المتكافئ بين الكيان وساحات المحور، وذلك في سياق قراءة نقدية تفكيكية لتفكير العدو، بطرح متسلسل ومتدرج. تحدد الورقة مجموعة من الإشكاليات البحثية التي تبغي منها التحفيز الفكري أكثر من الإجابة عليها، وتاليًّا فتح الباب أمام المزيد من النقاش الغني حول واقع العدو الـ "مأزوم" استراتيجيًّا، وفق ما يتّضح أكثر فأكثر في سياق نضج المقاربة النقدية.
أسباب التحوّل في القراءة الإسرائيلية للحروب
طبيعة الخصم: فرضت طبيعة الخصم (غير الدولتي) التحول في العقيدة الصهيونية الأولى القائمة على الحسم التقليدي الشامل والنهائي لعدم فعاليتها أمام مزايا الخصم من قدرة على التكيّف والاستنزاف وإعادة إنتاج قوته. وتحوّلت العقيدة نحو مبدأ "الجولات الردعية".
الأعمال النوعية وتطوّرها: في العام 2006، بدأت القراءة الإسرائيلية المختلفة مع عملية الأسر (أسر حزب الله الجنديين الإسرائيليين). كان العدو قد حضّر للحرب على لبنان وفق اعترافاته ووجد في العملية فرصة لبدئها، وقد رأى في تطوّر عمليات المقاومة في لبنان، وقبلها في فلسطين خروقات نوعية في شكل الحرب اللامتناظرة وتطوّرًا في الصراع اللامتكافئ. فكان العدوان على لبنان محطة للخروج عن نمط الرد المتبادل المحدود الذي كان ساريًّا منذ تفاهم يسان 1996. هذه القراءة أخذت تنضج مع الوقت، وبدأ التحضير بعد لجنة فينوغراد للتعامل مع الخروقات المستقبلية وفق رؤية جديدة للسقف المقبول. وهو ما يمكن فهمه أو إيجاد تبريره في إجراءات العدو التجهيزية لعملية البيجر 2024، والتي اعترف العدو بأنّها كانت قيد التحضير على مدى سنوات.
تعاظم تهديدات الخصم: يعدّ 7 تشرين الأول نقطة مفصلية في نضج مسار القراءة الإسرائيلية المختلفة بشكل تصاعدي ومتطرف، تخلّص معه من جولات الردع إلى نهج هجين من الحسم قائم على الحدّة والشمولية. وفّر طوفان الأقصى زخمًا قويًّا باتجاه التخلّص من "قواعد اللعبة" القديمة وفق "سقف محدود" و "خطوط حمراء"، و "محدودية المخاطر والكلفة". وقد ظهرت هذه السياسة العدوانية المتفلتة جليًّا في حرب أيلول 2024 كآليات مواجهة "متطرّفة" ضد تنامي تهديدات جبهة الإسناد اللبنانية، سيّما وأن جبهات المحور أظهرت دعمًا مشتركًا لفلسطين، (اليمن والعراق). ويمكن القول إن العدو وصل خلال تلك الفترة إلى نقطة جوهرية في سياق قراءة إنجازات الجبهة وتهديداتها ومسارها ومآلاتها، وقارب فعلًا التهديد الوجودي للكيان.
وقد نتج عن هذه القراءة الجديدة فهم جديد لمعنى استخدام القوة وحدودها ما يفسّر سلوك العدو الإسرائيلي الوحشي والمتفلت خلال حرب أيلول، ومن ثمّ العودة للصراع عام 2026. الصواريخ الستة التي أطلقت من لبنان فجر 2 آذار كان يمكن أن تكون الاستجابة عليها محدودة، بحيث يدار الصراع تحت سقف محدود باعتبار حرية العمل العسكري ذات الكلفة المنخفضة مقارنة بكلفة عودة الصراع، والفوائد المرتفعة ولو بالحد الأدنى. بيد أن ما جرى يؤكد أن المسألة بالنسبة للعدو الصهيوني ما عادت تحسب وفق ميزان الفوائد والكلفة بقدر ما تعكس قراءة متقدّمة في قراءة الخروقات وتقييم المخاطر من زاوية وجودية تقتضي رفع مستوى الاستجابة العسكرية إلى حدّ التفلّت من كل القيود والمحدّدات. وهو ما ينسجم مع الطرح النظري للعقيدة الأمنية الجديدة. أما الآن، وبعد مرور شهرين وأكثر على بدء الصراع مع لبنان، يقف العدو وسط متاهة جديدة يظهر أنها تعيده إلى نقطة البداية باستمرار.
لتحميل الدراسة من هنا
الكاتب: غرفة التحرير