خلف ضبابية المشهد في الشمال المحتل، تتكشّف معالم أزمة ديمغرافية صامتة تتشكّل على وقع النزوح المتواصل من الجليل. فمنذ اندلاع المواجهات، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى تجنّب الإخلاء الرسمي، فيما توالت دعوات القيادة العسكرية للسكان بالصمود والبقاء في مواطنهم. غير أن الواقع الميداني فرض منطقه الخاص، إذ شهدت المنطقة نزوحاً صامتاً غير معلَن طال أولاً العائلات الشابة وذوي المقدرة المادية، الذين لجأوا إلى توفير سكن بديل بجهودهم الخاصة في غياب أي تغطية حكومية تُذكر، في ظل شُح منح الإقامة في الفنادق وانعدام الدعم اللوجستي المنظَّم.
مع تراكم الصدمات وتآكل الثقة بين الجمهور والقيادة، انتقل الشمال من مرحلة التماسك إلى مرحلة الموجات المتلاحقة من النزوح. وقد تجلّى ذلك بوضوح مع اتساع رقعة انعدام الثقة لتطال المؤسسة العسكرية والجبهة الداخلية، اللتين اتُّهمتا بإخفاء حقيقة الوضع الأمني، فضلاً عن فشل وعود الأمن التي أُطلقت في أعقاب عملية "السهام الشمالية"، حين أثبت حزب الله قدرته المستمرة على التهديد رغم كل التطمينات. هكذا وجد كثير من الشماليين أنفسهم أمام خيارات مُجهِدة: فريق بقي رغم الإنهاك الجسدي والأزمة الاقتصادية، وفريق آخر يراهن على تحوّل أمني مرتقَب يُعيد الاستقرار، فيما يتواصل التسرّب البطيء نحو مدن الجليل الأسفل وحيفا.
على الصعيد الإعلامي، يسود تكتّم لافت يُغلَّف بتصدير أصوات غاضبة وشكاوى متراكمة تتعلق بملفات التعويضات وفجوات الحماية وتمويل خطط التأهيل والترميم. أما ما ستكشفه مرحلة ما بعد الحرب، فلن يكون قابلاً للاحتواء بمجرد تدفق المنح والتعويضات، ذلك أن تحولات عميقة في الوعي ومفاهيم الأمن والبقاء باتت ترسم ملامح مختلفة للمشهد الديمغرافي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.
التشريح الديمغرافي للشمال
تُعدّ المستوطنات الواقعة على خط التماس الأول، في العمق الممتد من الحدود حتى ثلاثة كيلومترات، الأشد تضرراً في هذه المعادلة. فمستوطنات كالمطلة ومسكاف عام وشلومي وكريات شمونة وسواها باتت خالية إلى حدٍّ بعيد من السكان الدائمين، ولا يرابط فيها اليوم سوى عمال الصيانة والزراعة المؤقتون نهاراً وقوات الأمن والدفاع المحلي، التي يتراوح عددها بين خمسين ومئتي عنصر. ولا تكاد توجد عائلات مستقرة بالمعنى الحقيقي، فيما يقتصر وجود بعض المدنيين على ساعات النهار فحسب.
أما في النطاق الممتد بين ثلاثة وخمسة كيلومترات، الذي تمثله مستوطنات كشعار يشوف وسعسع ودان وبيت هيلل، فيقتصر الوجود على أصحاب المصالح والمزارعين المنفردين وقوات الأمن وعناصر الخدمات، مع شُح شديد في العائلات المقيمة بسبب الأعباء الاقتصادية الباهظة. وتجسّد كريات شمونة نموذجاً صارخاً على عمق هذه الأزمة؛ إذ رفض أغلب سكانها العودة، ولا تعمل فيها حالياً سوى 17% من المتاجر، فيما غادرت نحو تسعة آلاف عائلة المدينة لتستقر قرب المركز. ويُقدَّر عدد المقيمين فيها حالياً بما يتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف شخص فقط، من أصل خمسة وعشرين ألفاً، وهو رقم متغير مع كل موجة نزوح جديدة. ومن تبقّى هناك فئات محدودة: كبار السن، وموظفو البلدية والخدمات، وذوو الدخل المنخفض.
وعلى امتداد النطاق الخلفي حتى خمسة عشر كيلومتراً، تكرّر المشهد ذاته بصورة أقل حدةً لكن بتداعيات لا تقل خطورة؛ فالعائلات المقتدرة والشابة التي لديها أطفال انتقلت إلى طبريا وحيفا والمركز، وتراجعت الحركة التجارية بشكل واضح، فيما تشير التقارير الميدانية إلى أن مدناً كنهاريا وصفد لم يتبقَّ فيها سوى نصف كتلتها السكانية. وتجدر الإشارة إلى ظاهرة "التواجد النهاري" المضلِّلة؛ إذ يزور كثير من السكان مناطقهم في الشمال خلال ساعات النهار، سواء أكانوا عمال بلديات أم مزارعين أم فرق صيانة أم أصحاب أعمال، إلا أن قسماً كبيراً منهم يبيت خارج المنطقة أو يلحق بعائلته في مكان آخر، مما يوحي بحضور أكبر مما هو عليه الواقع فعلاً.
خلاصة القول، ثمة تحولات ديمغرافية بالغة الخطورة تجري بعيداً عن الأضواء، أبرزها الإفراغ المجتمعي من النخب والفئة الشابة، وتثبيت الجليل بوصفه منطقة صراع مزمن غير قابلة للحياة الطبيعية. وهذه التحولات في الوعي والمفاهيم لن يمحوها أي تعويض مادي مهما بلغ، بل ستُعيد رسم ملامح المجتمع الشمالي اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً لسنوات طويلة مقبلة.
الكاتب: غرفة التحرير