الجمعة 29 أيار , 2026 02:09

حرب الاستنزاف الذكية: يوم اصطياد المدرعات واستنزاف التجمعات

عناصر من حزب الله

تجلّى مشهد يوم الخميس بوضوح في تكريس المقاومة الإسلامية معادلةَ الاستنزاف القاتل للقوات البرية الإسرائيلية المتوغلة في الخطوط الأمامية والنسق الثاني، في حين بدا سلوك العدو مثقلاً بحالة من التخبط والإحباط العملياتي. فقد لجأ الجيش الإسرائيلي إلى تكثيف غاراته الجوية التدميرية على مساحات واسعة من الجنوب والبقاع والضاحية، محاولاً بذلك التعويض عن عجزه البري المتصاعد وفشله في إيقاف منظومات إطلاق النار التابعة للمقاومة. وقد أثبتت المقاومة في هذا اليوم قدرتها الفائقة على التحكم بإيقاع المعركة، محوّلةً القرى والوديان إلى مصائد محكمة لآليات وجنود النخبة الإسرائيلية، دفاعاً عن سيادة لبنان وشعبه.

المشهد العملياتي

نفّذت المقاومة الإسلامية 19 عملية عسكرية نوعية تنوعت بين الضربات الصاروخية والقصف المدفعي وهجمات الطائرات المسيّرة الانقضاضية. وقد تمحور المجهود العملياتي بشكل لافت حول بلدة زوطر الشرقية التي استأثرت وحدها بست استهدافات، مما يكشف عن سعي المقاومة لإفشال محاولة العدو تثبيت نقطة ارتكاز أو قيادة متقدمة هناك. وقد عالجت المقاومة هذا التهديد باستهداف مبنى قيادة سرية المدرعات بصاروخ ثقيل نوعي في الساعة الرابعة والنصف فجراً، ثم بتدمير دبابتي ميركافا بمحلقات أبابيل الانقضاضية في ساعات الصباح. وفي السياق ذاته، ركّزت المقاومة نيرانها على المواقع المستحدثة في العديسة وبلاط وعلى خطوط التقدم في البياضة وشمع والقنطرة، مما يعكس تفوقاً استخباراتياً واضحاً في رصد التحركات المعادية فور تشكّلها.

في المقابل، شنّ العدو حملة تدمير جوية واسعة طالت أكثر من أربعين بلدة ونقطة في الجنوب، امتدت من صور والناقورة غرباً حتى النبطية وإقليم التفاح، فضلاً عن غارة على سحمر في البقاع وأخرى على الشويفات في الضاحية الجنوبية. وكشف هذا القصف العشوائي عن سياسة الأرض المحروقة وفقدان بنك الأهداف العسكري الحقيقي. وعلى صعيد المسيّرات المعادية، استهدفت اثنتا عشرة منطقة بتركيز على الدراجات النارية والسيارات في قرى قضاءَي النبطية وصور، تعبيراً عن عجز في مواجهة التشكيلات القتالية المخفية. أما القصف المدفعي فقد طال أحد عشر بلدة في محاولة لتوفير غطاء ناري دفاعي للقوات المأزومة على الأرض.

تحليل تكتيكات الطرفين

أدخلت المقاومة في هذا اليوم سلاحاً بالغ الأثر هو محلقات أبابيل الانقضاضية، التي عملت بوصفها قناصاً جوياً مضاداً للدروع، إذ اصطادت دبابتي ميركافا وآلية نميرا في زوطر الشرقية والقنطرة، فغيّر هذا السلاح قواعد الاشتباك البري بصورة جذرية. وتجلّى أيضاً استخدام تكتيك الرماية المزدوجة، إذ كُرّر القصف على البياضة بفارق عشر دقائق فحسب، إلى جانب دمج المسيّرات الانقضاضية مع الصواريخ الثقيلة لتحقيق تدمير كامل لمقار القيادة الميدانية. أما العدو فقد عانى من الجمود التكتيكي الواضح، إذ تحركت قواته في تشكيلات مكشوفة وتجمّعت في نقاط تقليدية يسهل رصدها، معتمداً اعتماداً كلياً على سلاح الجو للتعويض عن فشل المناورة البرية.

المشكلة العسكرية المحورية للعدو

تكمن العقدة الكبرى لجيش الاحتلال في انعدام أي منظومة دفاع جوي أو تشويش إلكتروني قادرة على تحييد محلقات أبابيل والمسيّرات الانقضاضية، إذ إن منظومة "تروفي" المثبتة على الدبابات مصممة للتصدي للصواريخ الأفقية لا للمسيّرات التي تنقض عمودياً من الأعلى. وقد حوّلت هذه الثغرة القاتلة أحدث دبابات الاحتلال "الميركافا" وأشد مدرعاته "النمر" إلى توابيت حديدية، وجعلت تجمعات القوات أهدافاً مكشوفة تُصطاد بمحلقات منخفضة التكلفة عالية الدقة، مما اضطر ذوي الجنود إلى البحث المحموم عن شباك حماية بدائية.

شهادات قادة العدو ومحلليه

أفصح قادة العدو وإعلامه عن حجم الأزمة التي يعيشونها. فقد أقرّ الجيش الإسرائيلي بمقتل 24 ضابطاً وجندياً منذ مطلع مارس، وهو رقم لا يعدو كونه قمة جبل الجليد للنزيف الحقيقي. واعترف نتنياهو بالرعب من مسيّرات FPV ذات الألياف البصرية واصفاً إياها بـ"الوباء العالمي والتهديد الاستراتيجي الخطير". وكذّبت صحيفة هآرتس نقلاً عن ضابط ميداني ادعاءاته بقتل ستمئة مقاتل، معتبرةً الرقم "مضحكاً". وأقرّت قناة i24 بأن "محلقات حزب الله تصطاد جنودنا وهي مسألة تكتيكية لكن لها أبعاد استراتيجية بعيدة المدى"، فيما خلصت قناة كان العبرية إلى أن المقاومة نجحت في "شلّ حياة الكيان" وتحويل الشمال إلى منطقة مظلمة مشلولة اقتصادياً.

يمكن أن يُطلق على هذا اليوم اسم "يوم اصطياد المدرعات واستنزاف التجمعات"، إذ نجحت المقاومة في تكريس سيطرتها النارية والجوية التكتيكية فوق أرض المعركة. وقد غدا النشاط البري الإسرائيلي محاصراً بين نيران المقاومة وعجز القوات عن التقدم أو التمركز الآمن، مما يجعل كل يوم إضافي للمناورة البرية مغامرةً تقترب من الانتحار العسكري. وتُثبت تصريحات قادة العدو ومحلليه أن الردع الإسرائيلي قد تهشّم كلياً أمام المحلقات والصواريخ، وأن المقاومة تدير حرب استنزاف شديدة الذكاء والاحترافية تدفع الكيان نحو حائط مسدود استراتيجياً وعسكرياً، في حين تواصل هي بناء تفوقها التكتيكي يوماً بعد يوم.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور