لا يُقرأ لبنان في التصورات الأمريكية الراهنة بوصفه أزمة محلية منفصلة، بل كساحة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإسرائيلي، واحتواء النفوذ الإيراني، وإعادة هندسة التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وفي هذا الإطار، تتراوح المقاربات الأمريكية بين رؤية مؤسساتية تراهن على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية، ورؤية أمنية ترى أن استقرار الجنوب يمر عبر ترتيبات ردعية وضبط الفاعلين المسلحين. وفي مقابل ذلك، تبرز اتجاهات نقدية أمريكية تشكك في واقعية هذه الافتراضات وفي قدرة واشنطن على إعادة تشكيل الواقع اللبناني وفق تصوراتها، مما يجعل الجدل الأمريكي يتجاوز مجرد كيفية تهدئة الجبهة اللبنانية، ليطرح سؤالًا أعمق يتعلق بطبيعة لبنان نفسه: هل هو دولة قابلة لإعادة البناء المؤسسي، أم ساحة نزاع إقليمي تتجاوز فيها موازين القوى الداخلية قدرة أي هندسة خارجية؟
التصوّرات الأمريكية
تتعدد التصورات الأمريكية تجاه لبنان وتتشابك، غير أن ثمة محاور رئيسية يمكن رصدها بوضوح. يقوم التصور الأول، المتعلق بالهندسة الأمنية-السياسية للحل، على افتراض أن الجمع بين الهدنة والتفاوض ودعم الجيش اللبناني والضغط السياسي التدريجي على حزب الله يمكن أن يُحوّل الساحة اللبنانية من منطق إدارة الحرب إلى منطق بناء استقرار مؤسساتي. ويرتكز التصور الثاني، المؤسساتي-السيادي، على افتراض أن الدولة اللبنانية قادرة على استعادة احتكار القوة وإعادة التموضع، إذا جرى تقليص نفوذ حزب الله وربط المساعدة الدولية بمسار سيادي-أمني واضح. أما التصور الثالث، فينظر إلى لبنان بوصفه نقطة هشاشة في أي تسوية إقليمية، مؤكدًا أن أي صفقة أمريكية-إيرانية أو إسرائيلية-لبنانية ستبقى عرضة للفشل ما لم تُعالج الجبهة اللبنانية بعمق. وتتكامل مع ذلك رؤية احتوائية ترى لبنان ساحة لتقليص النفوذ الإيراني وإعادة احتواء امتداداته الإقليمية، لا مجرد جبهة تحتاج إلى تهدئة ظرفية. وفي سياق أوسع، ثمة تصور جيوسياسي يضع لبنان ضمن هندسة إقليمية شاملة في مرحلة ما بعد حرب 2026، إلى جانب تصور أخير يقرأ لبنان بوصفه اختبارًا للمصداقية الأمريكية في قدرتها على فرض ترتيبات وحماية الحلفاء وإدارة تسوية قابلة للاستمرار.
الاتجاهات النقدية
في مواجهة هذه التصورات، تبرز اتجاهات نقدية أمريكية متعددة. فثمة نقد وظيفي يرصد انقسامًا أمريكيًا حول فعالية دور الجيش اللبناني، بين من يراه قادرًا على تولي الترتيبات الأمنية اللازمة، ومن يشكك في قدرته على فرض توازنات جديدة في مواجهة حزب الله. ويتصل بذلك نقد واقعي يطعن في قابلية الرؤية الأمريكية للترجمة السياسية والميدانية، في ظل التعقيد البنيوي للأزمة اللبنانية وتداخل أبعادها الداخلية والإقليمية. ومن زاوية مؤسساتية، يُنتقد الإفراط الأمريكي في تقدير القدرة على هندسة الواقع اللبناني عبر الأدوات المؤسسية، انطلاقًا من محدودية قدرة الدولة اللبنانية. كما يرفض نقد بنيوي-سياسي اختزال حزب الله في مجرد ملف أمني، معتبرًا إياه فاعلًا سياسيًا وعسكريًا يمتلك قدرة فعلية على التعطيل والتأثير. وتستدعي قراءة تاريخية نقدية الحذر من إعادة إنتاج أنماط الفشل التاريخي، ولا سيما تجربة عام 1983. وفي البعد المعياري، يُنتقد الانحياز البنيوي الأمريكي لمصلحة الكيان الإسرائيلي، بما يضعف صدقية واشنطن كوسيط ويحدّ من قدرتها على إدارة تسوية متوازنة.
تقييم قابلية التصوّرات للتطبيق
لا تتساوى التصورات الأمريكية من حيث قابليتها العملية أو قوة أدواتها التنفيذية. فتصور الهندسة الأمنية-السياسية، رغم حضوره الواسع في الخطاب الأمريكي، تبقى قابليته للتطبيق متوسطة وهشة، لأن نجاحه مشروط بحد أدنى من التوافق بين الأطراف غير المتحقق؛ إذ تنظر "إسرائيل" إلى الترتيب بوصفه مدخلًا لإضعاف حزب الله، فيما ينطلق الموقف اللبناني من أولوية وقف الحرب والانسحاب. وبالمثل، يبدو التصور المؤسساتي-السيادي قويًا من الناحية النظرية، لكنه ضعيف نسبيًا من حيث التنفيذ، إذ يصطدم افتراض أن دعم الجيش يعيد تشكيل ميزان القوى بالطبيعة المركبة للواقع اللبناني الذي لا تتحكم فيه الدولة وحدها. في المقابل، يبدو التصور الذي ينظر إلى لبنان بوصفه نقطة هشاشة إقليمية من أقوى التصورات تحليليًا، لأنه يقدم تشخيصًا استراتيجيًا دقيقًا، وإن كان يفتقر إلى آليات تنفيذ مستقلة. أما التصور الاحتوائي فيمتلك أدوات تنفيذية أوضح نسبيًا، غير أن قوته تحمل مخاطرة مرتفعة، إذ قد تدفع المقاربة المستهدِفة لبنية حزب الله نحو مزيد من التصعيد بدل إنتاج استقرار فعلي. وأما التصور الجيوسياسي، فرغم قوته التفسيرية، تبقى قابليته للتطبيق رهينة بتفاهمات إقليمية ودولية أوسع لا تملك واشنطن وحدها ضمان تحققها. وأخيرًا، يحتل تصور المصداقية الأمريكية موقعًا تحليليًا أكثر منه تنفيذيًا، إذ يقيس حدود النفوذ الأمريكي أكثر مما يقدم خريطة عملية للحل.
تكشف قراءة التصورات الأمريكية تجاه لبنان بعد حرب 2026 أن المقاربة الأمريكية لا تنطلق من تصور موحد، بل تعكس تعددًا في الرؤى تتراوح بين الرهان على الهندسة الأمنية-السياسية، والتعويل على مؤسسات الدولة اللبنانية، والنظر إلى لبنان ساحةً لاحتواء النفوذ الإيراني أو جزءًا من ترتيبات إقليمية أوسع، وصولًا إلى اعتباره نقطة هشاشة في أي تسوية واختبارًا للمصداقية الأمريكية ذاتها. غير أن الاتجاهات النقدية المقابلة تُظهر أن هذه التصورات تصطدم بجملة من القيود البنيوية، أبرزها ضعف الدولة اللبنانية، وتعقيد ميزان القوى الداخلي، والدور الفعلي لحزب الله بوصفه فاعلًا لا يمكن اختزاله في مقاربة أمنية تقنية، فضلًا عن محدودية صدقية واشنطن كوسيط في ظل انحيازها البنيوي. ومن ثم، فإن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في غياب التصورات الأمريكية، بل في الفجوة القائمة بين طموح هذه التصورات وحدود تحويلها إلى ترتيبات مستقرة وقابلة للحياة داخل بيئة لبنانية وإقليمية شديدة التعقيد، مما يفتح الباب أمام احتمال أن تعيد بعض هذه المقاربات إنتاج المأزق التاريخي بدل تجاوزه.
الكاتب: غرفة التحرير