في الحادي والثلاثين من أيار (مايو) 2026، برز مشهدان متناقضان يتصارعان على وعي اللبنانيين في لحظةٍ واحدة؛ ففي الميدان، وثقت المشاهد آليات العدو المدمرة وجنوده الهاربين من القرى الجنوبية تحت نيران المقاومة، بينما عمدت الدعاية الإسرائيلية في الوقت نفسه إلى تسريب صورٍ لجنودٍ تسللوا سيراً على الأقدام لرفع علمهم فوق "قلعة الشقيف" في محاولةٍ مكشوفةٍ لترميم صورة "النصر" أمام جمهورهم المهزوم. نحن اليوم أمام "حرب هجينة" تهدف لكي الوعي عبر إطاراتٍ دعائية ممنهجة، مما يضعنا أمام اختبارٍ حقيقي: هل نتبنى السردية التي تفرضها حقائق الميدان، أم نقع في فخ الصور التي صممتها الآلة الإسرائيلية و بعض الذكاء الصناعي لتضليلنا؟
أولاً: تفكيك شيفرة السردية من داخل أروقة العدو حيث تؤكد التقارير الصادرة عن الصحافة العبرية في 31 أيار 2026 أن ما تروجه إسرائيل ليس سوى محاولة للتغطية على مأزقها الاستراتيجي:
يرى المحلل العسكري أفي أشكنازي في صحيفة "معاريف" أن رفع الأعلام في مواقع مثل "قلعة الشقيف" هو إجراء دعائي لترميم هيبة الردع، بينما الواقع الميداني يشير إلى تحول هذه المواقع إلى مصائد استنزاف للقوات.
يشير أمير بوخبوط في موقع "واللا" إلى أن "حرب المسيرات" هي التي حسمت عجز التكنولوجيا الإسرائيلية، حيث أدت هذه المسيرات إلى شلل كامل في الشمال، مما يعكس فشل منظوماتهم الدفاعية.
يوضح الكاتب تسفي برئيل في صحيفة "هآرتس" أن "إسرائيل"، التي سعت لتحقيق تغيير جذري، تجد نفسها عالقة في مفاوضات مباشرة ومأزق عسكري يجعلها رهينة لهذا المسار، بدلاً من امتلاكها لقرار الحسم.
ثانياً: الحرب التركيبية وكي الوعي
إننا نخوض معركة تركيبية يتداخل فيها الميدان بالإعلام، حيث تستخدم القوى المعتدية "السردية" القائمة على كي كسلاح موازٍ للرصاص في اطار تغطية حقيقة هزيمتها. إن تغييب توثيق إنجازاتنا النوعية وانشغالنا بمناقشة روايات العدو يمنحه الفرصة للاستمرار في تضليل جمهوره والرأي العام العالمي ومن لا يزال يؤمن بموضوع التفاوض
أمام هذا الواقع، يصبح لزاماً علينا بالاختيار بين مسارين:
الاول: الانكفاء والتبعية خلف للإطار الإسرائيلي، عبر الاكتفاء بدور المدافع الذي تستهلكه رواية العدو والغرق في تفكيك صوره، مما يعزز آلتهم الدعائية التي تقتات على زرع الشكوك في قدراتنا، على الرغم من ان الحقيقة تؤكد اننا قادرون.
الثاني: المبادرة و سيادة العقل، عبر إدراك أن الحقائق الميدانية – من تدمير آليات إلى استنزاف قوات – هي القوة التي يجب فرضها، وأن ضعف العدو في إعلام الجبهة الداخلية لديه هو انعكاس مباشر لانكساره في الميدان.
إن الإنجازات التي سطرها الميدان أكبر من أي "اطار" إعلامي زائف. والقرار اليوم هو في أي صورة تختار؟ و في كيفية تحويل الحقيقة إلى حصن منيع يحمي الوعي؛ و بالتالي يصبح السؤال اليوم هل ستكتفي بمراقبة "الاطار" الإسرائيلي، أم سنكسره لكتابة واقع جديد؟
الكاتب: علي نقر