الثلاثاء 02 حزيران , 2026 03:10

حدود القرار: كيف قيّد التدخل الأميركي الفعل العسكري الإسرائيلي في لبنان

ترامب والحرب على لبنان

تمرّ الجبهة اللبنانية بمرحلة بالغة الحساسية تتشابك فيها التطورات العسكرية مع ضغوط دبلوماسية إقليمية ودولية متسارعة، بحيث بات القرار الإسرائيلي بشأن التصعيد أو التهدئة محكوماً بتوازنات معقّدة تتجاوز حدود الميدان. وقد تجلّى ذلك بوضوح حين كانت "إسرائيل" تستعد لتنفيذ ضربة نوعية في الضاحية الجنوبية لبيروت رداً على اتساع عمليات حزب الله، قبل أن يتدخّل الجانب الأميركي مباشرةً ويوقف الضربة في اللحظة الأخيرة. وتكشف هذه الواقعة عن تحوّل جوهري في إدارة الصراع، إذ لم يعد القرار العسكري الإسرائيلي يُبنى على اعتبارات الردع الميداني وحدها، بل صار يتأثر على نحوٍ متزايد بعوامل سياسية خارجية وحسابات إقليمية مرتبطة بالملف الإيراني ومسار التفاوض ووقف إطلاق النار.

أبرز ما تظهره هذه التطورات هو انكشاف حدود الاستقلالية العملياتية الإسرائيلية، فالجهوزية العسكرية كانت قائمة فعلاً، لكنها لم تُترجم إلى فعلٍ على الأرض بفعل التدخل الأميركي، ما يعكس انتقالاً من نموذج "حرية الحركة" إلى نموذج قرارٍ مشروطٍ من الخارج لم تعد فيه الجاهزية كافية لضمان التنفيذ. وفي السياق نفسه، بدا التهديد بضرب الضاحية أقرب إلى أداة ضغطٍ تفاوضي منه إلى خيارٍ عسكري صرف، إذ جرى توظيف القوة كوسيلةٍ ضمن مسارٍ يرمي إلى وقف إطلاق النار، وهو ما يقلّل من أثر الردع المباشر ويحوّل الضربة من عملٍ حاسم إلى ورقة مساومة.

كذلك برز تصادم واضح بين المستويين السياسي والعسكري داخل "إسرائيل" فقد انتقدت المؤسسة العسكرية الإعلان المسبق عن الضربة على لسان نتنياهو وكاتس، مؤكدةً أن عدداً من الأهداف المدرجة في الخطة اختفى بعد ذلك الإعلان، فيما تمسّكت القيادة السياسية باستخدام التهديد العلني كأداة ضغط. وهذا الخلل في إدارة الغموض الاستراتيجي أضعف الفعالية العملياتية، لأن الإعلان المسبق يبدّد عنصر المفاجأة ويؤثر في فرص نجاح أي تنفيذ.

على صعيدٍ موازٍ، تصاعد النفوذ الأميركي في إدارة الجبهة اللبنانية إلى حدّ التدخل المباشر لتأجيل الضربة لا الاكتفاء بالضغط السياسي، مع ربط واشنطن للتصعيد باعتبارات أوسع تشمل إيران؛ وهو ما يمثّل انتقالاً في العلاقة الأميركية–الإسرائيلية من تنسيقٍ استراتيجي إلى ضبطٍ مباشر للإيقاع العملياتي يقيّد قدرة "إسرائيل" على التصعيد الأحادي. وفي موازاة ذلك، لم تعد الجبهة اللبنانية معزولة، بل غدت مرتبطة بالملف الإيراني والتوازنات الإقليمية، خصوصاً مع التلويح الإيراني باستئناف التصعيد إذا اتّسع نطاق الضربات، ما يرفع كلفة أي قرار عسكري ويجعل التصعيد المحدود محكوماً باعتبارات أبعد من الإطار اللبناني.

وقد انعكس هذا كله انقساماً داخلياً حاداً حول جدوى القرار وشرعيته؛ فبينما دفع تيار سياسي متشدد نحو الضربة - وعلى رأسه إيتمار بن غفير الذي دعا إلى "قول لا لترامب" وإطلاق يد الجيش لضرب حزب الله وإعادة الأمن إلى الشمال - اعتبر تيار معارض أن القرار فقد استقلاليته، فوصف يائير لابيد إسرائيل بأنها باتت "دولة وصاية بالكامل"، وتحدّث نفتالي بينيت عن "حكومة فقدت السيطرة على السيادة"، فيما ذهب ليبرمان إلى وصف نتنياهو بأنه "دمية". وأضافت أصوات نقدية مثل بن كسبيت أن البلاد تحوّلت إلى "دولة تابعة ومحمية"، في حين عبّرت أوساط داخل الجيش والإعلام العسكري عن قلقها من التدخل الأميركي وأثره في استقلالية القرار. ويعكس هذا التباين أزمة في "إجماع القرار الأمني" تُضعف قدرة الحكومة على تثبيت خطٍّ استراتيجي واضح تجاه الشمال.

وتؤكد التغطية العبرية هذه القراءة، فقد أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن الجيش استعدّ منذ الصباح لتنفيذ هجومٍ في الضاحية عقب تصريحات نتنياهو وكاتس قبل أن يؤجَّل إثر تدخلٍ أميركي، مع استمرار ضغطٍ إسرائيلي خلف الكواليس لتنفيذه. ونقلت القناة 12 أن مكالمة بين نتنياهو وترامب ستكون حاسمة في تحديد المسار، وأن واشنطن تدفع نحو ترتيبٍ على قاعدة "الهدوء مقابل الهدوء" يوقف هجمات الجيش في الضاحية مقابل امتناع حزب الله عن الهجمات، مع توسيع وقف إطلاق النار ليشمل لبنان كله. لكنّ نتنياهو شدّد في المقابل على أن "إسرائيل" ستهاجم أهدافاً في بيروت إن لم يتوقف حزب الله عن استهداف بلداتها ومواطنيها، وأن الجيش سيواصل عملياته في الجنوب كما هو مخطط، وهو تصريح لفت مراسلون إسرائيليون مثل دورون كادوش إلى أنه يضع الخط الأحمر عند استهداف بلدات الشمال دون عمليات الجنوب، متسائلين عن مصير مئات الهجمات السابقة على الشمال.

خلاصةً، تكشف هذه التطورات عن تقييدٍ متزايد لهامش القرار العسكري الإسرائيلي على الجبهة اللبنانية، نتيجة تداخلٍ مباشر بين الاعتبارات العملياتية والضغوط الأميركية والتوازنات المرتبطة بإيران، فالجهوزية لم تتحوّل إلى فعل، ما يعكس انتقالاً من منطق المبادرة الأحادية إلى منطقٍ مشروط بعوامل خارجية، فيما حافظ استمرار هجمات حزب الله على الشمال على حالة استنزافٍ مفتوحة حدّت من قدرة إسرائيل على الحسم. وعليه، لا يُقرأ ما جرى بوصفه حدثاً تكتيكياً معزولاً، بل مؤشراً على تحوّلٍ أوسع في نمط إدارة الصراع، من منطق التصعيد نحو الحسم إلى منطق إدارة التوازنات والضبط التدريجي للمواجهة ضمن قيودٍ سياسية وإقليمية متنامية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور