الثلاثاء 02 حزيران , 2026 03:17

جيش يناور للنجاة: معادلة الاستنزاف القاتل تفرض إيقاعها على الجبهة اللبنانية

عمليات المقاومة الإسلامية

شكّل يوم الاثنين الأول من حزيران 2026 نقطة تحوّل مفصلية واستراتيجية في مسار المواجهة البرية على الجبهة اللبنانية، إذ يمكن تلخيص المشهد العام فيه بانهيار وهم «المناورة البرية الواسعة» لدى العدو. فقد ترجمت المقاومة الإسلامية تفوّقها الميداني عبر تنفيذ واحدٍ وأربعين عملية نوعية ومركّزة توزّعت على قطاعات القتال الثلاثة الشرقي والأوسط والغربي، وأفضى تراكمها مع عمليات الأسابيع الماضية إلى إجبار جيش الاحتلال على تقليص حضوره العسكري بصورة لافتة؛ فسحب الفرقة 146 ونقل مهامها إلى الفرقة 91، ليتراجع عدد الفرق العاملة من خمس فرق في بداية الاجتياح مطلع آذار إلى فرقتين فقط هما 91 و36. وفي المقابل فرضت المقاومة إيقاعها النيراني وحوّلت محاور الاشتباك في دبّين ويحمر الشقيف وحداثا والبياضة إلى مصائد استنزاف يومية، فصدّت محاولة التوغّل الثامنة نحو حداثا خلال أقل من شهر والرابعة شمال البياضة، وأرغمت العدو على الانكفاء والاتكاء على سلاح الجو لتغطية عجزه البري الذي كلّفه خلال الليل أربع دبابات وناقلتَي جند مدرّعتين.

وعلى المستوى العملياتي، ركّزت المقاومة جهدها على عقدة قلعة الشقيف ويحمر، فاستهدفت محيط القلعة أربع مرات متتالية وأمطرت الأطراف الشرقية للبلدة بست عمليات جمعت بين الصواريخ والمدفعية والمسيّرات الانقضاضية التي طاولت الدبابات والمنازل المتحصَّن بها، ما أدّى إلى شلل تام في قدرة القوة الإسرائيلية على التمركز أو الحركة. كذلك تحوّل محور دبّين إلى منطقة قتل متقدّمة نُفّذت فيها خمس عمليات نوعية ضد تجمّعات الآليات والمنازل، فيما برزت في محور حداثا عمليات التصدّي المباشر ليلاً عبر تفجير العبوات بالمدرّعات واصطياد دبابات الميركافا في البالوع وعلى محور البياضة - الحمرا بالصواريخ الموجَّهة والمسيّرات، ما أجبر القوة المهاجمة على الانسحاب تحت النار. وفي العمق حافظت المقاومة على معادلتها بضرب قاعدتَي ميرون وطبريا وثكنة يعرا، وتصدّت مرتين لمسيّرات هرمز 450، في مؤشّرٍ على أن منظومة القيادة والسيطرة والدفاع الجوي تعمل بكامل كفاءتها.

أما العدو فقد كثّف غاراته الجوية والمدفعية على يحمر وأرنون وكفرتبنيت ودبّين وحداثا والمناطق الخلفية لصور والنبطية، غير أن توقيت هذه الغارات وجغرافيتها كشفا أن مهمتها الأساسية كانت تأمين غطاء نيراني للانسحاب والإنقاذ، إذ تزامنت تماماً مع المواقع التي تعرّضت فيها قواته لخسائر في الدبابات والأفراد، ومنها إصابة قائد كتيبة شاكيد. فلم يكن الطيران مبادراً، بل اعتمد سياسة الأرض المحروقة لتمكين قواته البرية من إخلاء جرحاها والخروج من الكمائن. ومن جهة أخرى جاء قصف العمق في صور والنبطية الفوقا وزفتا واستهداف طرق الإمداد محاولةً بائسة لتعويض فراغ سحب الفرقة 146 وعرقلة وصول المسيّرات والصواريخ النوعية إلى الجليل.

وعند تحليل أداء الطرفين يتبيّن أن المقاومة راكمت تفوّقاً تكتيكياً واضحاً، فقد اعتمدت المراقبة الحرارية الليلية عبر محلّقات مزوّدة بكاميرات حرارية ألغت ميزة التخفّي الليلي وجعلت قوات العدو مكشوفة، ولجأت إلى الكمائن الهجينة المتدرّجة التي تبدأ بالعبوات الناسفة للإعطاب ثم الانقضاض بمسيّرات أبابيل فالرماية المدفعية والصاروخية لإجبار من تبقّى على الانسحاب، فضلاً عن تكتيك "الطرق المستمر" الذي يضرب الهدف الواحد مراراً في فترات متقاربة لمنع العدو من إعادة التنظيم أو إخلاء إصاباته بأمان. في المقابل تحوّل العدو إلى أسلوب الكرّ والفرّ الدفاعي القائم على توغّلات محدودة وتفخيخ المنازل ثم الانسحاب تجنّباً للاحتكاك الثابت، كما دفعه تقليص فرقه إلى فرقتين نحو تكديس قواته في نقاط محدّدة، ما سهّل استهدافها بالصليات الصاروخية الكبيرة.

وتكمن مشكلة العدو العسكرية الجوهرية في هذا اليوم في أنه بات يقاتل بلا أفق استراتيجي، فقواته متمركزة في نقاط ثابتة كقلعة الشقيف تتلقّى الضربات من دون قدرة على التقدّم، في حين تُسحق محاولات التقدّم الجديدة في البياضة وحداثا فور انطلاقها ليلاً بفضل التفوّق الاستخباري والتكنولوجي للمقاومة، فتحوّل بذلك من جيش مبادر إلى جيش يناور للنجاة وإدارة خسائره. وقد عكست شهادات قادة العدو ومحلّليه هذا التخبّط، فكتبت صحيفة معاريف أنهم احتلّوا قلعة الشقيف من دون أي فكرة عن وجهتهم وأن "إسرائيل" تُجَرّ إلى حرب استنزاف في لبنان، فيما أقرّت القناة 12 بأن حزب الله بات يرصد القوات ليلاً عبر المحلّقات الحرارية ويتعقّبها ويضربها، واعترفت إذاعة جيش العدو بالنزيف في سلك القيادة عبر إعلان إصابة قائد كتيبة شاكيد، وبالهزيمة العملياتية عبر إنهاء مهام الفرقة 146 وخفض الفرق المحتشدة من خمس إلى اثنتين.

وخلاصة التقدير أن هذا اليوم يُسجَّل إعلاناً غير رسمي لفشل المناورة البرية الواسعة وسقوط وهم بلوغ الليطاني، بعدما نجحت المقاومة في تكريس معادلة الاستنزاف القاتل التي أجبرت الكيان على إنهاء مهمة الفرقة 146 كاملة هرباً من النزيف البشري والاقتصادي. ويُرجَّح أن ينتقل العدو في المرحلة المقبلة إلى وضعية الدفاع المرن ومحاولة التمسّك بنقاط حدودية مع تعويض عجزه البري بكثافة نيرانية جوية، في حين ستركّز المقاومة جهدها الاستخباري والنيراني على الفرقتين المتبقيتين 91 و36 وتحويل مناطق تواجدهما إلى مصائد موت عبر الاستخدام المكثّف للأسلحة المناسبة، بما يجعل كلفة بقاء العدو في المنطقة العازلة أعلى من قدرته على التحمّل، تمهيداً لاندحاره الكامل.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور