الثلاثاء 02 حزيران , 2026 04:34

قراءة في تهديد الاحتلال بقصف الضاحية الجنوبية.. واشنطن تُنقذ تل أبيب والمحور يتأهّب

ترامب ونتنياهو والحرب في لبنان

في تطوّر دراماتيكي لمجريات العدوان الإسرائيلي على لبنان، أصدر كل من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتياهو ووزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بيانًا رسميًا في 1 حزيران/ يونيو 2026 وجّها فيه جيش الاحتلال إلى مهاجمة أهداف في الضاحية الجنوبية لبيروت. القرار الجديد جاء على خلفية ما وصفه الرجلان بـ"الانتهاكات المتكرّرة لوقف إطلاق النار في لبنان من قبل حزب الله والهجمات التي استهدفت عدّة مدن".

خلفية القرار

في الليلة التي سبقت القرار، أطلق حزب الله صليات صاروخيّة طالت مديات غير مسبوقة مند وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، لتطال مستوطنتي صفد ونهاريّا إلى جانب كريات شمونة. فيما قالت وسائل إعلام إسرائيليّة مثل "يديعوت أحرونوت" و"قناة 12" إنه "للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار صفارات الإنذار تنطلق في طبريا ومحيطها". يأتي ذلك بالتزامن مع تصعيد وتيرة إطلاق مسيّرات "أبابيل" الانقضاضيّة على تجمعات الاحتلال وآلياتهم داخل الأراضي اللبنانيّة وفي الأراضي المحتلّة، لتتحوّل هذه المسيّرات إلى سلاح استراتيجي فتّاك يشكّل معضلة حقيقيّة لدى جيش الاحتلال الذي فشل حتى الآن بإيجاد حل تقني لها، ولذلك ذهب للحديث عن تجديد القصف علي بيروت، وقد دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى تدمير عشرة مبانٍ في بيروت، مقابل كل طائرة مسيّرة مفخّخة.

هدف التصعيد

تكمن دوافع الاحتلال للتصعيد بقصف بيروت في محاولة استعادة الردع الذي يتآكل جنوب لبنان، إذ يجد جيش الاحتلال نفسه عاجزًا منذ ثلاثة أشهر عن تحقيق أي إنجاز إضافي في ظل تكتيكات المقاومة على الأرض والمفاجآت التي أدخلتها إلى المعركة، فاليوم لا تعمل المقاومة بعقلية الدفاع المطلق أي منع الدخول، إنما بذهنيّة الاستنزاف على المدى الطويل، نظرًا لخصوصيّة هذه المرحلة واندفاع قادة الحرب في واشنطن وتل أبيب أكثر من أي وقت آخر. في المقابل، يعمد العدو إلى ارتكاب المجازر بحق أهالي الجنوب والتدمير بشكل غير مسبوق، إلى جانب إصدار إنذارات الإخلاء للضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة من جهة وللتعويض عن صورة النصر التي عجز في تظهيرها حتى الآن.

الموقف الإيراني

على إثر التهديدات الإسرائيليّة، انبرت الأجهزة السياسيّة والعسكريّة في إيران بتهديد الاحتلال في حال أقدم على قصف الضاحية، فقد  شدّد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، على أن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة هو وقف إطلاق نار شامل على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، فيما حذّر الجيش الإيراني، مستوطني شمال الاحتلال، من تعرضهم لهجمات، في حال استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت.

تفخيخ المفاوضات

أدركت إيران جيدًا أن الولايات المتحدة تُفخّخ المفاوضات لشن ضربة جديدة واستكمال العدوان، لكن ما يدفع الإدارة الأميركية إلى التريّث في الوقت الحالي هو الاستفادة من الوقت لتحقيق جملة من الأسباب، أولها الرهان على الوقت نفسه لتنفيذ ضربة غادرة في لحظة انشغال في إيران بدلًا من تنفيذها في عزّ حالة الاستنفار الأمني والعسكري. عسكريًا، أرادت الإدارة الأميركية إعادة تأهيل وتموضع الدفاعات الجوية في الخليج التي تآكلت بفعل الضربات الإيرانيّة. وبعقليّة التاجر، يعمد ترمب إلى امتصاص الضغوط الاقتصاديّة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، وتجميد أسعار برميل النفط الذي توقّع خبراء اقتصاديون أن يصل إلى 200 دولار أميركي، بالإضافة إلى تمرير موسم الحج )مطلب سعودي(، ومباريات كأس العالم المنتظرة في منتصف حزيران الجاري.

انكشاف المخطط وتفعيل وحدة الساحات

في المقابل، أطلقت إيران شرارة التصعيد بالتنسيق مع حزب الله، فكان اشتعال الجبهة في الجنوب مجددًا وإطلاق صليات صاروخية طالت مديات غير مسبوقة منذ بدء الهدنة بين طهران وواشنطن، وهنا وجد صنّاع القرار لدى الاحتلال أنفسهم محاصرون بالنار، فمن جهة حوّل حزب الله الغزو البري الإسرائيلي إلى مسلخ بشري قبل الالتحام مع العدو وتكبيده خسائر يومية بالعديد والعتاد، وفي الوقت نفسه قصف المستوطنات الإسرائيلية التي لطالما زعم الاحتلال إعادة الأمن لها. وعليه أوجد الاحتلال مخرجًا لهذا المأزق بمحاولة ترسيخ معادلة جديدة وهي بيروت مقابل المستوطنات، لثني حزب الله عن إطلاق الصواريخ. لكن الرد الإيراني جاء سريعًا بالتهديد بقصف الاحتلال، أما رد المقاومة فكان إطلاق المزيد من الصواريخ التي استهدفت كريات شمونة وقاعدة ميرون الجوية، وثكنة زرعيت، وثكنة يعرا، وغيرها.

فرملة التصعيد

في مساء اليوم، لم ينفّذ العدو تهديداته، وبخلاف المتوقع، طلبت الإدارة الأميركيّة من الاحتلال وقف هجمات الضاحية الجنوبية خشية انهيار المفاوضات مع إيران، فانكفأت حكومة الاحتلال مؤقتًا عن ضرب الضاحية. ثم خرج ترمب في منشور على منصة "تروث سوشيل" ليزعم أنه تواصل مع حزب الله عبر وسطاء، وحصل على تعهّد بعدم مهاجمة الاحتلال.

بناءً على السلوك الأميركي، فما حدث اليوم هو أن الإدارة الأميركيّة رصدت أن الجمهورية الإسلاميّة قد رمت طعم النار للاحتلال، فقصف الضاحية اليوم سيستدعي ردًا صاروخيًا يطال العمق الإسرائيلي مع ترجيحات بدخول اليمن في المعركة، وإغلاق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز، وذلك بالتزامن مع إطلاق حزب الله كرات النار في الجنوب بتوجيه صليات صاروخيّة ثقيلة إلى الكيان. هذا التطوّر الدراماتيكي الذي سيُدخل المنطقة في الحرب الإقليميّة المنتظرة والتي تحاول واشنطن تأجيلها لشراء الوقت. لكن على المقلب الآخر، المراد أميركيًا وإسرائيليًا هو فصل الجبهات والاستفراد بها كل على حدا، أي أن الإدارة الأميركيّة تريد منح تل أبيب المزيد من الوقت في الجنوب لمحاولة تحقيق إنجاز عسكري، وإنهاك حزب الله وارتكاب المزيد من جرائم الإبادة، وفي الوقت نفسه عودة العدوان الشامل إلى غزة لتنفيذ إبادة جديدة وتهجير الفلسطينيين، ثم الانتقال إلى إيران للاستفراد بها.

توصيات:

- فرملة التصعيد الإسرائيلي من خلال ضغط إيران على الولايات المتحدة ليشمل اتفاق وقف إطلاق النار لبنان كاملًا بما في ذلك الجنوب.

- في حال عدم استجابة الولايات المتحدة للإنذار الإيراني، فعلى طهران الدخول بالحرب مجددًا منعًا لتنفيذ المخطط الأميركي الإسرائيلي وهو الاستنزاف وفصل الجبهات.

- من الضروري مواصلة حزب الله للتصعيد في الجنوب لا سيما قصف مستوطنات الشمال.

- الاستفادة من الضغوط التي يواجهها الاحتلال بفعل تصعيد المقاومة جنوب لبنان ومطلب مستوطني الشمال بتأمين الحماية من خلال التركيز على إرسال إنذارات الإخلاء بشكل شبه يومي لزعزعة الاستقرار ودفع الوضع الداخلي إلى الانفجار.

- عدم الرضوخ للضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية بمؤازرة الدولة اللبنانية تحت عنوان التفاوض لثني حزب الله عن إطلاق الصواريخ مقابل توقف الغارات الإسرائيلية. 

- الوقت يفيد الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي إلى أقصى حد بتنفيذ إبادة في جنوب لبنان وغزة، لكنه ليس في مصلحة إيران ولا جبهات المقاومة التي قد تقع في استنزاف العدو.

- من الضروري تفعيل ورقة باب المندب وانضمام أنصار الله إلى المعركة.

- المفاوضات الأميركية الإيرانية وجه آخر لتأخير العدوان الواقع حتمًا.

- ترمب يتصرف بالطريقة نفسها التي أعلن بها وقف إطلاق النار الأخير بين لبنان والاحتلال ثم أطلق يد الكيان لقتل الجنوبيين، فكل ما يقوله نابع من الحاجة لتمييع خطورة المرحلة والاستثمار في الوقت.


الكاتب: زينب فرحات




روزنامة المحور