الأربعاء 03 حزيران , 2026 09:09

معركة القضاء في إسرائيل: صراع على السلطة وأزمة في الحكم؟

لم يعد الجدل الدائر في إسرائيل مقتصراً على تعيين مسؤول أمني أو خلاف قانوني حول صلاحيات المحكمة العليا. ما تكشفه السجالات الأخيرة هو صراع أعمق يتعلق بحدود السلطة السياسية وقدرة النظام على الحفاظ على قواعده ومؤسساته في ظل استقطاب داخلي متصاعد.

جاء قرار المحكمة العليا بالمصادقة على تعيين اللواء رومان غوفمان رئيساً للموساد ليعيد فتح ملف العلاقة المتوترة بين الحكومة والجهاز القضائي. غير أن القضية، وفق القراءة التي يطرحها عدد من المنتقدين داخل إسرائيل، تتجاوز شخص غوفمان نفسه لتلامس نمطاً أوسع من إدارة السلطة في عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث تتراجع الاعتبارات المؤسسية أمام الحسابات السياسية والتحالفات الضرورية لاستمرار الائتلاف الحاكم.

لم تركز الانتقادات التي رافقت التعيين على الكفاءة المهنية للمرشح بقدر ما سلطت الضوء على مفهوم المسؤولية العامة و"المعايير الأخلاقية" في شغل المناصب الحساسة بحسب ما أورد الاعلام العبري في تعليقه على هذا الأمر. ويذهب منتقدو الحكومة إلى أن السنوات الأخيرة شهدت سلسلة من التعيينات التي أثيرت حولها تساؤلات قانونية أو أخلاقية، الأمر الذي أسهم في تآكل الثقة العامة بآليات الاختيار داخل مؤسسات الكيان.

تقف معركة أكثر أهمية في خلفية هذا الجدل تتعلق بمكانة المحكمة العليا نفسها. فمنذ عودة نتنياهو إلى الحكم، تحولت المؤسسة القضائية إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الحكومة والمعارضة. ويرى معارضو الائتلاف أن الهدف الفعلي لبعض مشاريع القوانين المطروحة لا يقتصر على تعديل التوازن بين السلطات، وإنما يتجه نحو تقليص قدرة القضاء على مراقبة السلطة التنفيذية وإخضاع القرارات الحكومية للرقابة القانونية.

تزداد هذه المخاوف مع تكرار التصريحات الصادرة عن شخصيات حكومية تشكك في شرعية بعض قرارات المحكمة أو تلوح بإمكانية عدم الالتزام بها. وعندما يصبح تنفيذ الأحكام موضع نقاش سياسي، تبدأ الأسئلة بالظهور حول الجهة التي تمتلك الكلمة النهائية في إدارة الشأن العام.

الأخطر في المشهد الحالي أن الخلاف لم يعد محصوراً بين السياسيين والقضاة. فقد امتد إلى قطاعات اجتماعية ودينية مختلفة، مع تزايد حوادث الاحتجاج والمواجهات المرتبطة بقضايا التجنيد والخدمة العسكرية وصلاحيات أجهزة إنفاذ القانون. ويعكس ذلك اتساع دائرة التوتر داخل الشارع الإسرائيلي في مرحلة تواجه فيها الكيان تحديات أمنية وعسكرية متواصلة.

ومن زاوية أخرى، تكشف هذه التطورات عن أزمة ثقة متراكمة بين قطاعات واسعة من الإسرائيليين ومؤسسات الحكم. فالمعارضة تنظر إلى خطوات الحكومة باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية بما يضمن بقاء الائتلاف الحاكم. في المقابل، ترى الحكومة وأنصارها أن الجهاز القضائي راكم نفوذاً واسعاً خلال العقود الماضية وأصبح يتدخل في ملفات يفترض أن تبقى ضمن صلاحيات السلطة المنتخبة.

أنتجت هذه الثنائية واقعاً سياسياً شديد الاستقطاب، حيث لم تعد الخلافات تدور حول السياسات العامة فقط، وإنما حول طبيعة العلاقة بين السلطات. ومع مرور الوقت، باتت كل مؤسسة تنظر إلى الأخرى بوصفها تهديداً محتملاً لنفوذها ومكانتها.

لذلك تكتسب التحذيرات الصادرة عن شخصيات قضائية وقانونية أهمية خاصة. فالنقاش يدور حول مستقبل النظام السياسي وقدرته على إنتاج توافقات تحافظ على الحد الأدنى من الإجماع. وتزداد حساسية هذه المسألة مع استمرار الحرب والتحديات الأمنية. في حين قد يستمر الانقسام في التوسع، الأمر الذي يجعل الصراع على المحكمة العليا عنواناً لأزمة أعمق تتعلق بشكل الكيان واتجاهها خلال السنوات المقبلة، خاصة وأن حجم الانقسامات حول أداء المحكمة آخذ في الازدياد، كما أن الضغوط التي تمارسها الجمعيات الدينية المتطرفة تجعل من الأمر أكثر صعوبة في ظل الأزمة التي يعانيها المستوى السياسي أيضاً.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور