الأربعاء 03 حزيران , 2026 02:49

دور المؤسسات الإنجيلية الأميركية في إعادة تشكيل المجتمع اللبناني

الجامعة الأميركية في لبنان

يصعب فهم البنية الثقافية والسياسية للبنان الحديث من دون دراسة الدور الذي لعبته الإرساليات الأجنبية عامة، والإنجيلية (البروتستانتية الأميركية) خاصة، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فهذه الإرساليات لم تكن مجرد نشاط ديني يهدف إلى نشر مذهب مسيحي جديد داخل مجتمع متعدد الطوائف، بل مثّلت مشروعاً متكاملاً للتأثير الاجتماعي والثقافي عبر التعليم والطب والطباعة والعمل الأهلي.

وعلى الرغم من أن الدراسات المتعلقة بتاريخ لبنان الحديث تركّز غالباً على الصراعات الطائفية والتدخلات السياسية والعسكرية الخارجية، فإن أحد أكثر التحولات عمقاً واستدامة وقع في مجال التعليم والثقافة. وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن النفوذ الإنجيلي لم يستند أساساً إلى التبشير المباشر، بل إلى بناء بنية تعليمية وثقافية طويلة الأمد ساهمت في نقل شرائح واسعة من المجتمع اللبناني نحو مرجعيات فكرية مرتبطة بالغرب الأميركي.

ومنذ وصول المبشرين البروتستانت الأميركيين إلى بلاد الشام في مطلع القرن التاسع عشر، أُطلق مشروع ثقافي وتعليمي واسع النطاق أثمر مؤسسات أصبحت من أبرز مراكز تكوين النخب في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها American University of Beirut. كما أن شبكة المدارس والمطابع والمستشفيات التي أنشأتها الإرساليات تجاوز تأثيرها حدود الطائفة الإنجيلية نفسها، وأسهمت في تشكيل شرائح من النخب السياسية والاقتصادية والثقافية اللبنانية.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في مفارقة لافتة؛ فبينما بقيت الطائفة الإنجيلية محدودة العدد داخل المجتمع اللبناني، نجحت المؤسسات المرتبطة بها في تحقيق تأثير يفوق حجمها الديموغرافي بكثير. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: كيف استطاعت أقلية دينية صغيرة أن تسهم في تشكيل جزء مهم من النخبة اللبنانية؟ وهل كان الهدف مقتصراً على نشر التعليم الحديث، أم تعدّاه إلى إعادة تشكيل النخب المحلية بما ينسجم مع المصالح الأميركية والغربية، وربما إلى إنتاج بيئة أكثر تقبلاً لإسرائيل في مراحل لاحقة؟

الصهيونية المسيحية والإنجيليون

لفهم الخلفية الفكرية التي انطلقت منها الإرساليات الإنجيلية الأميركية في المشرق، لا بد من التوقف عند أحد أبرز التيارات التي تشكلت داخل البروتستانتية الإنجيلية الحديثة، وهو تيار الصهيونية المسيحية. فهذه الظاهرة لم تكن مجرد موقف سياسي داعم لإسرائيل، بل تعبيراً عن رؤية لاهوتية متكاملة للتاريخ والدين والعلاقات الدولية.

تعود الجذور الفكرية للصهيونية المسيحية الحديثة إلى القرن التاسع عشر، وبشكل خاص إلى أفكار القس الإيرلندي جون نلسون داربي (1800–1882)، الذي طوّر ما عُرف لاحقاً بعقيدة التدبيرية. (Dispensationalism)  تقوم هذه العقيدة على تقسيم التاريخ إلى مراحل أو تدابير إلهية، وترى أن الشعب اليهودي يحتفظ بمكانة خاصة في الخطة الإلهية، وأن عودته إلى فلسطين تمثل جزءاً من الأحداث التي تسبق المجيء الثاني للمسيح.

وقد اكتسبت هذه الأفكار انتشاراً واسعاً داخل الأوساط الإنجيلية في الولايات المتحدة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، خاصة بعد نشر الكتاب المقدس المرجعي لسكوفيلد (Scofield Reference Bible)، الذي لعب دوراً محورياً في تعميم التفسير التدبيري للكتاب المقدس بين ملايين المؤمنين الأميركيين. ومن خلال الكنائس الإنجيلية والمعاهد اللاهوتية ووسائل الإعلام الدينية، تحولت الصهيونية المسيحية من اجتهاد لاهوتي محدود إلى تيار مؤثر في الثقافة السياسية الأميركية.

ويرى أنصار هذا التيار أن قيام دولة إسرائيل عام 1948 لا يمثل مجرد حدث سياسي، بل يشكل تحقيقاً لنبوءات توراتية مرتبطة بعودة اليهود إلى أرض الميعاد. كما ينظر بعضهم إلى السيطرة الإسرائيلية على القدس بعد حرب 1967 باعتبارها محطة إضافية في مسار تحقيق تلك النبوءات. ولهذا السبب أصبح دعم إسرائيل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الإنجيليين المحافظين جزءاً من الالتزام الديني، وليس مجرد خيار سياسي أو دبلوماسي.

غير أن الصهيونية المسيحية لا تستند فقط إلى اعتبارات لاهوتية. فخلال القرن العشرين تداخلت هذه الرؤية مع اعتبارات حضارية وجيوسياسية أوسع. فقد رأى كثير من المحافظين الأميركيين في إسرائيل حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ونموذجاً سياسياً وثقافياً أقرب إلى الغرب من محيطها الإقليمي. ومع نشوء التحالف بين اليمين الإنجيلي والحركة المحافظة الأميركية، أصبح دعم إسرائيل جزءاً من خطاب سياسي متكامل يجمع بين الدين والأمن القومي والمصالح الاستراتيجية.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين البيئة الفكرية التي نشأت فيها الإرساليات البروتستانتية الأميركية وبين المواقف السياسية التي تطورت لاحقاً داخل بعض الأوساط الإنجيلية الأميركية. فمعظم النشاط الإرسالي الذي شهدته بلاد الشام خلال القرن التاسع عشر سبق ظهور الصهيونية السياسية الحديثة وقيام دولة إسرائيل بعقود طويلة. ولذلك لا يمكن افتراض وجود ارتباط مباشر بين المؤسسات التعليمية التي أنشأها المبشرون الأوائل وبين الدعم السياسي الذي قدمته قطاعات من الإنجيليين الأميركيين لإسرائيل في النصف الثاني من القرن العشرين.

لكن هذا التمييز لا يلغي وجود رابط فكري أوسع يتمثل في انتماء الطرفين إلى البيئة الدينية والثقافية نفسها. فالإرساليات الأميركية والصهيونية المسيحية الحديثة خرجتا من رحم الثقافة الإنجيلية البروتستانتية الأميركية، وتقاسمتا مجموعة من التصورات المتعلقة بالدور الحضاري للولايات المتحدة ورسالتها الأخلاقية في العالم. ومن هنا تكتسب دراسة الصهيونية المسيحية أهمية خاصة، لأنها تساعد على فهم السياق الفكري الأوسع الذي تطورت داخله المؤسسات الإنجيلية الأميركية وتأثيرها الثقافي في المشرق.

الإرساليات الأميركية بعد أحداث 1860

وصل أوائل مبشري الهيئة الأمريكية للمفوّضين للبعثات التبشيرية الأجنبية (ABCFM) إلى المشرق عام 1820، حاملين مشروعاً دينياً وثقافياً استند إلى التعليم والطباعة والترجمة والخدمات الطبية بوصفها أدوات رئيسية للتأثير الاجتماعي. وفي بدايات نشاطهم ركزوا على التبشير المباشر، إلا أنهم سرعان ما أدركوا محدودية نجاحه داخل مجتمع يتمتع ببنية دينية وطائفية راسخة، فانتقل اهتمامهم تدريجياً نحو بناء المؤسسات التعليمية والثقافية.

وشكّلت أحداث عام 1860 في جبل لبنان ودمشق محطة مفصلية في مسار هذا الحضور؛ إذ أتاحت الاضطرابات الطائفية وما أعقبها من تدخلات دولية توسيع نطاق النشاط الإرسالي الأميركي بصورة ملحوظة. فإلى جانب الجهود الإغاثية والإنسانية، أُنشئت مدارس ومراكز طبية ومطابع ومؤسسات تعليمية أسهمت في ترسيخ حضور دائم داخل المجتمع المحلي.

ومنذ ذلك الوقت أخذ يتبلور نمط جديد من النفوذ يقوم على التأثير الثقافي والتعليمي أكثر من اعتماده على أدوات القوة السياسية أو العسكرية المباشرة. وقد ساهمت هذه المؤسسات في تكوين أجيال من المتعلمين والنخب المحلية التي لعبت أدواراً بارزة في الحياة العامة. وفي هذا السياق يرى المؤرخ أسامة مقدسي أن المشروع الإرسالي الأميركي لم يكن مجرد نشاط ديني، بل شكّل جزءاً من مشروع حضاري أوسع سعى إلى إعادة تشكيل المجتمع المحلي وفق تصورات الحداثة البروتستانتية الغربية.

المدرسة بديلاً عن الكنيسة

تكشف التجربة الإنجيلية في لبنان عن مفارقة تاريخية لافتة؛ فالمبشرون الأميركيون لم يحققوا نجاحاً واسعاً في تحويل اللبنانيين إلى المذهب البروتستانتي، لكنهم حققوا نجاحاً أكبر بكثير في إدخال شرائح واسعة من المجتمع إلى دائرة الثقافة الغربية الحديثة. وقد أدرك المبشرون منذ وقت مبكر أن التأثير العميق والمستدام لا يتحقق عبر الوعظ الديني وحده، بل من خلال المؤسسات القادرة على تشكيل الأجيال الجديدة وإعادة إنتاج القيم والمعارف. ومن هنا تحولت المدرسة تدريجياً إلى الأداة المركزية للمشروع الإرسالي، متقدمة على الكنيسة نفسها في قدرتها على صناعة النفوذ.

فالطالب الذي يتلقى تعليمه بلغة أجنبية، ويقرأ كتباً مترجمة من الغرب، ويتعرف إلى التاريخ والعلوم والفلسفة من خلال مناهج مستوحاة من النموذج الأميركي، يكتسب مع الوقت منظومة معرفية مختلفة عن تلك السائدة في بيئته التقليدية. ولم يكن الهدف بالضرورة تغيير الانتماء الديني المباشر، بل المساهمة في تكوين أنماط جديدة من التفكير والسلوك والنظر إلى العالم. وبهذا المعنى أصبحت المدرسة فضاءً لإنتاج النخب أكثر منها مؤسسة تعليمية فحسب، إذ تخرّج فيها أفراد تولوا لاحقاً مواقع مؤثرة في الإدارة والسياسة والإعلام والاقتصاد.

ومع توسع الشبكة التعليمية البروتستانتية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أخذ مركز الثقل ينتقل من التبشير العقائدي إلى التأثير الثقافي طويل الأمد. فبدلاً من السعي إلى زيادة أعداد المنتمين إلى الطائفة الإنجيلية، أصبح التركيز موجهاً نحو تكوين فئة متعلمة تتبنى مفاهيم الحداثة الغربية وقيمها، الأمر الذي منح المشروع الإرسالي تأثيراً تجاوز بكثير حدود حجمه الديني والديموغرافي.

اللغة الإنجليزية كأداة سلطة

لم تكن اللغة الإنجليزية في المؤسسات الإنجيلية مجرد وسيلة للتدريس أو التواصل، بل تحولت تدريجياً إلى أحد أهم أدوات النفوذ الثقافي والاجتماعي. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر ارتبط إتقان الإنجليزية بإمكانية الوصول إلى التعليم العالي والوظائف الحديثة وشبكات التجارة والعلاقات الدولية، ما منحها مكانة خاصة داخل المجتمع اللبناني. وبمرور الوقت أصبحت المعرفة بالإنجليزية نوعاً من رأس المال الثقافي الذي يفتح أبواب الترقي الاجتماعي ويوفر امتيازات لا تتاح بالقدر نفسه لمن يقتصرون على التعليم التقليدي.

وقد أسهمت المؤسسات التعليمية الإنجيلية في ترسيخ هذه المكانة من خلال ربط اللغة الإنجليزية بالعلوم الحديثة والطب والإدارة والاقتصاد، الأمر الذي جعلها لغة النخب الصاعدة والطبقات المتعلمة. ولم يقتصر تأثير ذلك على الجانب المهني، بل امتد إلى المجال الثقافي أيضاً، حيث أتاح الاطلاع المباشر على الإنتاج الفكري والأدبي الغربي من دون وساطة الترجمة، ما عزز حضور المرجعيات الغربية في تشكيل الوعي لدى قطاعات من المتعلمين.

ونتيجة لذلك نشأت فئة اجتماعية جديدة رأت في الغرب نموذجاً للتقدم والتنظيم والحداثة، وتبنت كثيراً من مفاهيمه السياسية والثقافية. ومع أن هذه الفئة بقيت جزءاً من المجتمع اللبناني وتفاعلت مع بيئته المحلية، فإن تكوينها التعليمي والثقافي منحها موقعاً وسيطاً بين الشرق والغرب، وجعلها أكثر انفتاحاً على الأفكار والمؤسسات الغربية. وهكذا تحولت اللغة الإنجليزية من أداة تعليم إلى وسيلة لإعادة تشكيل المكانة الاجتماعية والرمزية، وإلى أحد أبرز المسارات التي عبر من خلالها النفوذ الثقافي الأميركي إلى المجتمع اللبناني.

القوة الناعمة قبل ظهور المصطلح

على الرغم من أن مفهوم القوة الناعمة لم يُصَغ نظرياً إلا في أواخر القرن العشرين، إلا أن ممارساته التاريخية سبقت ذلك بقرون طويلة، ويمكن ملاحظة تجلياته بوضوح في التجربة الإرسالية الأميركية في المشرق خلال القرن التاسع عشر. فالإرساليات الإنجيلية لم تعتمد على أدوات القوة العسكرية أو الإكراه السياسي المباشر، بل على أدوات أكثر هدوءََ واستمرارية، مثل التعليم واللغة وإنتاج المعرفة وبناء المؤسسات الثقافية.

في هذا السياق، يمكن فهم المشروع الإرسالي بوصفه نموذجاً مبكراً للقوة الناعمة، حيث كان الهدف الأساسي لا يتمثل في السيطرة المباشرة على الأرض أو المؤسسات السياسية، بل في التأثير على البنية الفكرية والثقافية للمجتمع المحلي على المدى الطويل. فالمؤسسات التعليمية التي أنشأها المبشرون لم تكن محايدة من الناحية الثقافية، بل حملت معها تصورات معينة عن الحداثة، والعقل، والتقدم، والعلاقة بين الفرد والمجتمع، وهي تصورات نشأت في سياق تاريخي غربي مختلف عن السياق المحلي في بلاد الشام.

وقد لعبت اللغة دوراً محورياً في هذا الإطار، إذ لم تكن الإنجليزية مجرد وسيلة تواصل، بل كانت حاملة لمنظومة معرفية كاملة. فالتعليم باللغة الإنجليزية يعني عملياً إدخال الطالب في فضاء ثقافي مختلف، تتشكل فيه المفاهيم عبر مصادر معرفية غربية، وتُصاغ فيه أسئلة التاريخ والسياسة والمجتمع ضمن أطر فكرية غير محلية. وبهذا المعنى تصبح اللغة جزءاً من بنية التأثير الثقافي، وليست مجرد أداة تعليمية.

كما أن إنتاج المعرفة من خلال الترجمة والمناهج والكتب المدرسية ساهم في إعادة تشكيل مصادر الشرعية الفكرية. فبدلاً من أن تكون المرجعيات الأساسية نابعة من البيئة المحلية أو التقليدية، بدأت تتقدم تدريجياً المرجعيات الغربية بوصفها مصادر أكثر علمية وموضوعية. هذا التحول لم يكن مباشراً أو قسرياً، بل تدرج عبر سنوات طويلة من التعليم والتنشئة الفكرية.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذه العملية لا تعمل عبر الإقناع الصريح أو التحول القسري، بل عبر إعادة تشكيل ما يعتبره الأفراد طبيعياً أو بديهياً في فهم العالم. فالقوة الناعمة، بهذا المعنى، لا تفرض سلوكاً معيناً، بل تعيد تعريف الإطار الذي تُفهم داخله الخيارات والسلوكيات نفسها.

وعند النظر إلى التجربة الإنجيلية في لبنان، يمكن القول إن الإرساليات نجحت في بناء بنية تأثير ثقافي طويلة الأمد، جعلت جزءاً من النخب المحلية يتبنى تدريجياً أنماطاً معرفية وسلوكية أقرب إلى النموذج الغربي، ليس عبر التحول الديني، بل عبر التحول في أدوات الفهم والتفكير. وهذا ما يجعل هذه التجربة مثالاً مبكراً على ما يمكن تسميته تاريخياً بـ القوة الناعمة قبل المفهوم.

 

وبناءً على ما تقدم يمكن الحديث عن الجامعة الأمريكية في بيروت والمدارس الانجيلية.

1_ الجامعة الأمريكية في بيروت

تمثل الجامعة الأميركية في بيروت ذروة المشروع الثقافي الأميركي في المشرق. فهي لم تكن مجرد جامعة، بل مؤسسة لإنتاج النخب. فقد خرجت الجامعة آلاف الأطباء والمهندسين والإداريين والصحافيين والسياسيين الذين شغلوا مواقع مؤثرة في لبنان والعالم العربي. والمهم هنا ليس عدد الخريجين، بل طبيعة التكوين الفكري الذي تلقوه. فالجامعة رسخت نموذجاً معرفياً قائماً على المرجعية الأكاديمية الغربية واللغة الإنجليزية والاتصال بالمؤسسات الأميركية، وهذا ما جعلها إحدى أهم قنوات القوة الناعمة الأميركية في المنطقة.

فقد تأسست الجامعة الأميركية في بيروت عام 1866، بعد حصولها على ترخيص من ولاية نيويورك سنة 1863، تحت إسم الكلية البروتستانتية السورية (Syrian Protestant College) عبر المبشّر دانيال بلس (Daniel Bliss)، وفي عام 1920 تغيّر الاسم رسمياً إلى الجامعة الأمريكية في بيروت (American University of Beirut). والأهداف التي أُنشأت من أجلها هي:

- تقديم التعليم العالي في العلوم والطب والآداب.

- نشر نموذج التعليم الأميركي القائم على التفكير النقدي والبحث العلمي.

- إعداد نخب مهنية وإدارية لبلدان المشرق.

- تشجيع الانفتاح الثقافي والتبادل الفكري.

وهذا يؤدي الى الأهداف السياسية المرتبطة بأميركا والغرب تاريخياً، حيث تأسست بمبادرة مبشّرين أميركيين وكان لها بُعد ثقافي وحضاري يعكس الحضور الأميركي في المنطقة. ويرى الكثير من الباحثين أنها ساهمت في نشر القيم الليبرالية والتعليم الغربي وتكوين نخب قريبة من الفكر والمؤسسات الغربية.

هنا يجب التفريق بين مرحلتين:

المرحلة الأولى (القرن التاسع عشر)، معظم المبشرين الذين وصلوا إلى لبنان كانوا يركزون على التعليم باختصاصاته المختلفة كالترجمة، والطب، والهندسة وغيرها من الاختصاصات العلمية، إضافة الى التبشير بالبروتستانتية، ولم تكن الصهيونية السياسية قد تشكلت بعد بالشكل الذي عرف لاحقاً.

المرحلة الثانية (بعد قيام إسرائيل)، أصبحت العلاقة أكثر تعقيداً. فبعض الأوساط الإنجيلية الأميركية دعمت إسرائيل بقوة، وموّلت منظمات مؤيدة لها، إضافة الى ممارسة الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة.

من هنا نجد ان في بداياتها كانت مرتبطة بالمشروع التبشيري البروتستانتي الأميركي، لكنها تطورت تدريجياً إلى جامعة أكاديمية ذات طابع علمي أكثر من كونها مؤسسة تبشيرية مباشرة.

وقد خرّجت رؤساء دول، ورؤساء حكومات، ووزراء، وأطباء، ومهندسين، ورجال أعمال، وأكاديميين من مختلف الطوائف والاتجاهات السياسية. ولهذا تُعتبر إحدى أهم مؤسسات صناعة النخب في الشرق الأوسط.

هذا وقد لعبت الجامعة الأمريكية في بيروت دوراً كبيراً في نشر الثقافة الأميركية من خلال اللغة الإنجليزية، المناهج الحديثة، العلوم التطبيقية، والثقافة الاجتماعية والأكاديمية الأميركية.

ويرى باحثون مثل David Engerman أن الجامعات الأميركية في الخارج أصبحت جزءاً من البنية الثقافية للحضور الأميركي العالمي.

من هنا يمكن اعتبار الجامعة أداة قوة ناعمة أميركية، لكن هذا لا تعني بالضرورة انها أداةَ للتجسس والتآمر والتحكم السياسي المباشر، بل تعني التأثير عبر التعليم، واللغة، والثقافة، والقيم الاجتماعية، والسلوك، والاهم هو الشبكات المهنية. ومن هذا المنظور تُعد الجامعة الأميركية في بيروت واحدة من أهم أدوات الحضور الثقافي الأميركي في المنطقة. وبذلك ساهمت الجامعة الأميركية في بيروت في تكوين نخبة لبنانية وعربية ذات مرجعية فكرية غربية أكثر من المرجعيات التقليدية المحلية، وهذا ما أدّى تأثيرها الفعلي في كل من الهوية، الثقافة، الاقتصاد، الإدارة، والنخب السياسية.

2_ المدارس الانجيلية في لبنان

بدأت المدارس الإنجيلية في لبنان مع وصول الإرساليات البروتستانتية الأميركية إلى بلاد الشام في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ومن أقدمها Beirut Evangelical School for Girls and Boys التي تعود جذورها إلى 1828، وأُسست رسمياً سنة 1835، ولاحقاً تم افتتاح مدارس انجيلية في صيدا، طرابلس، زحلة، النبطية، قب الياس، وعكار وغيرها من المناطق اللبنانية...

ومنذ القرن التاسع عشر، لم تكن المدارس والجامعات الغربية التي انتشرت في المشرق العربي مجرد مؤسسات تعليمية بالمعنى التقليدي، فقد جاءت ضمن مشروع حضاري وثقافي أوسع حمل معه لغة جديدة، ونظرة جديدة إلى التاريخ، ومفاهيم جديدة حول المجتمع والدولة والهوية.

لقد قُدِّمت هذه المؤسسات بوصفها جسوراً للعلم والتقدم، وهو ما تحقق بالفعل في جوانب كثيرة. غير أن السؤال الذي ظل مطروحاً على مدى عقود هو، هل كان التعليم هو الغاية الوحيدة؟

عندما ننظر إلى تاريخ الإرساليات الغربية في المنطقة، نلاحظ أن اهتمامها لم يتركز فقط في البيئات التي تنتمي إلى خلفيتها الدينية، بل امتد إلى مناطق بعيدة عنها ديموغرافياً وثقافياََ. وقد أثار ذلك تساؤلات حول ما إذا كان الهدف يتجاوز التعليم إلى محاولة التأثير في البنية الفكرية والثقافية للمجتمعات المحلية.

لقد نجحت هذه المؤسسات في تخريج أجيال من النخب السياسية والإدارية والثقافية. لكن النخب التي خرجت منها لم تتعلم العلوم واللغات فقط، بل تشربت أيضاً منظومة فكرية كاملة تنظر إلى العالم من خلال عدسة غربية، وتتبنى مفاهيم نشأت في سياقات تاريخية مختلفة عن واقع المنطقة.

ومع مرور الزمن، أصبح كثير من خريجي هذه المؤسسات أكثر ارتباطاً بالنموذج الغربي في السياسة والثقافة والاقتصاد، ولم يعد الغرب يُقدَّم باعتباره طرفاً دولياً له مصالحه وصراعاته، بل باعتباره النموذج الطبيعي الذي ينبغي الاقتداء به.

وفي قلب هذا التحول برز ملف الصراع العربي الإسرائيلي. فبينما كانت قطاعات واسعة من شعوب المنطقة تنظر إلى إسرائيل باعتبارها مشروعًا استيطانيًا ارتبط بالاقتلاع والحروب والاحتلال، بدأت بعض الأوساط الثقافية والأكاديمية تتحدث بلغة مختلفة: لغة التعايش والواقعية السياسية والاندماج الإقليمي.

هذا مؤشر الى وجود مؤامرة مركزية أو تعليمات مباشرة حول طبيعة البيئة الفكرية التي أنتجت هذا التحول. فالأفكار لا تنتقل دائماً عبر الشعارات الصريحة؛ بل كثيراً ما تنتقل عبر المناهج، واللغة، وطريقة عرض التاريخ، وتحديد ما هو مقبول وما هو مرفوض في النقاش العام.

ومن هنا نجد ان النفوذ الثقافي الغربي أن أخطر أشكال التأثير ليست تلك التي تُفرض بالقوة العسكرية، بل تلك التي تنجح في إعادة تشكيل الوعي بحيث يتبنى المجتمع تدريجيًا رؤية الآخرين لمصالحه وتاريخه ومستقبله.

لقد أدركت القوى الكبرى منذ زمن طويل أن المدرسة قد تكون أكثر تأثيراً من الثكنة العسكرية، وأن الأستاذ قد يحقق ما تعجز عنه الجيوش. فالقوة الناعمة لا تعمل على احتلال الأرض، بل على احتلال المساحة الذهنية التي تُصاغ فيها القناعات وتُبنى فيها التصورات.

وفي عالم اليوم، لا يدور الصراع فقط حول الحدود والجغرافيا، بل أيضاً حول الروايات والذاكرة والهوية. ولذلك يبقى السؤال مفتوحاً، هل كانت المؤسسات التعليمية الغربية مجرد ناقل للمعرفة الحديثة، أم أنها شاركت أيضاً في إعادة صياغة الوعي السياسي والثقافي للمنطقة بما ينسجم مع مصالح القوى التي أنشأتها ومولتها؟

من الغرب إلى إسرائيل: إشكاليات التحول في المرجعيات الفكرية

في هذا السياق، لا يمكن فهم العلاقة بين الحضور الثقافي الغربي في المشرق وبين المواقف اللاحقة من إسرائيل بوصفها علاقة مباشرة أو خطية، بل بوصفها مساراً تدريجياً يرتبط أساساً بتكوّن المرجعيات الفكرية لدى النخب المتعلمة داخل المؤسسات التعليمية الغربية أو المتأثرة بها. فالمسألة هنا لا تتعلق بنقل موقف سياسي محدد، بقدر ما تتعلق بإعادة تشكيل الإطار المعرفي الذي تُفهم من خلاله السياسة والتاريخ والعلاقات الدولية.

لقد أسهمت الإرساليات والمؤسسات التعليمية ذات الطابع الغربي في إدخال أنماط جديدة من التفكير إلى البيئة اللبنانية والمشرقية عموماً، تقوم على مركزية الفرد، والعقلانية في الأداء، والقراءة الوضعية للتاريخ، وفصل نسبي بين المجال الديني والمجال السياسي. ومع مرور الزمن، تشكلت داخل هذه البيئات التعليمية نخبٌ باتت أكثر ارتباطاً بالمعايير التفسيرية الغربية في تحليل الظواهر السياسية، وأكثر ميلاً إلى قراءة الصراعات الإقليمية من خلال مفاهيم مثل الدولة الوطنية، والنظام الدولي، وموازين القوى، بدلاً من القراءات الأيديولوجية في الهويات المحلية.

ضمن هذا الإطار، لا تظهر إسرائيل في الوعي السياسي بوصفها حالة منفصلة عن سياقها الدولي، بل بوصفها جزءاً من بنية سياسية أوسع ترتبط تاريخياً واستراتيجياً بالغرب، وبخاصة بالولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية. هذا التحول في زاوية النظر لا يعني بالضرورة تبني موقف سياسي معين، بقدر ما يعكس انتقالاً في المرجعية التحليلية نفسها، أي في الطريقة التي يُعرَّف بها الفاعل السياسي، وتُفهم بها شرعية الدولة، وتُقاس بها الصراعات.

ومن المهم التأكيد على أن هذا التحول لا يمكن تفسيره باعتباره نتيجة مباشرة للتعليم الإنجيلي أو للمناهج الغربية وحدها، بل هو حصيلة تفاعل معقد بين التعليم، واللغة، والاحتكاك بالمؤسسات الأكاديمية الغربية، وتطور النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة في ظل صعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة عالمياً. غير أن الدور الذي لعبته المؤسسات التعليمية في تشكيل أدوات الفهم يبقى عنصراً مركزياً في هذا السياق، لأنها ساهمت في إنتاج جيل من النخب يمتلك لغة تحليل مشتركة مع النخب الغربية، ويشاركها في كثير من المفاهيم الأساسية حول السياسة والتاريخ.

ومع ذلك، فإن القول بوجود مسار "من الغرب إلى إسرائيل" يجب أن يُفهم بحذر شديد، لأن الغرب نفسه ليس كتلة فكرية أو سياسية متجانسة، كما أن المواقف من إسرائيل داخل المجتمعات الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، تخضع لتباينات فكرية وسياسية واسعة. وبالتالي فإن ما يمكن رصده هو تقارباً في البنية الفكرية التي تُنتج أنماطاً مختلفة من الفهم، وانتقالاً تدريجياً في المواقف، التي تنعكس على طريقة تناول الصراع العربي الإسرائيلي.

ومن هذا المنظور، تصبح إسرائيل جزءاً من إشكالية أوسع تتعلق بكيفية تموضع النخب المتأثرة بالثقافة الغربية داخل نظام معرفي عالمي، تُعاد فيه صياغة المفاهيم السياسية الأساسية مثل الشرعية، والاحتلال، والمقاومة، والدولة، وفق أطر نظرية نشأت في سياقات تاريخية مختلفة عن السياق المحلي. وهنا يكمن جوهر المسألة، إذ لا يتعلق الأمر بإسرائيل كموضوع منفصل، بل بكيفية تشكل أدوات التفكير التي تجعل من فهمها وتفسيرها جزءاً من منظومة معرفية أوسع.

وبالتالي فإن هذا التحول لا يهدف إلى تقديم نتائج سريعة حول المواقف السياسية، بل إلى فهم الكيفية التي تنتقل بها المرجعيات الفكرية عبر التعليم واللغة والمؤسسات، وكيف يمكن لهذه المرجعيات أن تعيد تشكيل طريقة إدراك النخب للعالم من حولها، بما في ذلك قضايا الصراع في الشرق الأوسط.

أخيراً لا تظهر التجربة الإنجيلية في لبنان بوصفها مشروعاً تبشيرياً دينياً فحسب، بل بوصفها مشروعاً ثقافياً طويل الأمد نجح في إعادة تشكيل جزء من البنية الفكرية للنخب اللبنانية. أما الربط بين هذا المشروع وبين إسرائيل فيجب أن يتم بحذر منهجي. فالأدلة المتاحة تشير بصورة أوضح إلى عملية تغريب ثقافي واسعة النطاق، بينما يبقى إثبات وجود مشروع مباشر ومستمر لتكوين مجتمع متماهٍ مع إسرائيل بحاجة إلى أدلة أكثر تحديداً وتوثيقاً. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن المؤسسات الإنجيلية ساهمت في إنتاج بيئات اجتماعية وثقافية أقرب إلى المنظومة الغربية التي أصبحت إسرائيل أحد مكوناتها السياسية والاستراتيجية الأساسية.

ومن هذا المنظور، لا تبدو التجربة الإنجيلية في لبنان مجرد حالة تاريخية مرتبطة بمرحلة معينة من التبشير أو التوسع التعليمي، بل نموذجاً لآلية تأثير ثقافي طويل الأمد يقوم على إعادة تشكيل أدوات الفهم أكثر مما يقوم على تغيير المعتقدات أو البنى السياسية المباشرة. فالأثر الأعمق لهذه المؤسسات لا يظهر في حجم التحول الديني الذي أحدثته، بل في طبيعة النخب التي ساهمت في تكوينها، وفي اللغة الفكرية التي أصبحت تستخدمها هذه النخب في قراءة المجتمع والسياسة والتاريخ.

ومع أن هذا التأثير لا يمكن عزله عن التحولات الأوسع التي شهدها العالم الحديث، بما في ذلك صعود ما يسمى الدولة الوطنية وتوسع التعليم الحديث والعولمة الثقافية، إلا أن خصوصية التجربة الإنجيلية تكمن في كونها واحدة من القنوات المبكرة التي ساهمت في إدخال هذا النمط من التفكير إلى السياق اللبناني والمشرقي. وهنا يصبح السؤال البحثي مفتوحاً أكثر مما هو مغلقاً. هل كان هذا التحول مجرد نتيجة طبيعية لتحديث التعليم، أم أنه شكل من أشكال إعادة إنتاج المركزية الثقافية الغربية عبر أدوات ناعمة وغير مباشرة؟

وبذلك، فإن فهم هذه التجربة لا يكتمل من خلال تتبع مؤسساتها فقط، بل من خلال تحليل آثارها الممتدة في البنية الفكرية للنخب، وفي الطريقة التي يُعاد بها تعريف الحداثة، والانتماء، والعلاقة مع الغرب في السياق اللبناني المعاصر.


الكاتب: علي ناصر الدين




روزنامة المحور