يشير هذا المقال الذي نشرته مجلة "فورين أفيريز" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن إسرائيل اعتقدت في البداية أنها خدعت حزب الله ودفعته إلى انتهاك وقف إطلاق النار "المريح لها" عندما أطلق وابلاً من الصواريخ على شمال فلسطين المحتلة انتقاماً لاغتيال قائد الصورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي. إلا أنه قد يكون من الأصح القول إن إسرائيل وقعت في الفخ دون قصد. فهي التي كانت مستعدة لرد حزب الله على استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي، ورأت في ذلك فرصة لشن هجوم أوسع، ومعتبرةً هذه المهمةً بأنه يمكن السيطرة عليها. فإن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.، بعد استخدام الحزب تكتيكات جريئة لإلحاق أضرار جسيمة بجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، وبالمستوطنات الإسرائيلية في شمالي فلسطين. وأشار المقال، إلى أن الحملة العسكرية الإسرائيلية عانت من عيوب استراتيجية وتكتيكية، أبرزها ضعفها أمام تكتيكات الطائرات المسيّرة المُطوّرة لحزب الله.
وتستخلص كاتبة المقال الباحثة الإسرائيلية في معهد راند شيرا إيفرون، أن الاحتلال الإسرائيلي طويل الأمد لجنوبي لبنان يُعدّ خطيراً، كما تُثبت التجارب التاريخية بين عامي 1982 و2000، وأن هذا النهج الذي لم يُحقق أي مكاسب استراتيجية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي لا يُمكنه تحقيقه اليوم، بل سيكون في صالح حزب الله فقط.
لكن أخطر ما بيّنت وأشارت ودعت إليه إيفرون في مقالها، هو كيفية استثمار موقف السلطة اللبنانية من المفاوضات المباشرة مع الكيان المؤقت، والاستسلام والرضوخ لمبدأ "نزع سلاح المقاومة"، من أجل الضغط عليها للقيام بهذه المهمة بالنيابة عن إسرائيل التي ستفشل في ذلك عسكرياً.
النص المترجم:
خلال الأسبوع الماضي، شهد الصراع في لبنان تقلبات حادة بين التصعيد ومحاولات ضبط النفس. في 30 أيار/ مايو، اجتمعت وفود عسكرية إسرائيلية ولبنانية في البنتاغون للتحضير لجولة رابعة من المفاوضات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء القتال بين إسرائيل وحزب الله، المنظمة الإرهابية المتمركزة في لبنان والوكيلة لإيران. بعد يوم واحد فقط، شعر الإسرائيليون واللبنانيون بشعورٍ مؤلمٍ من التكرار عندما رفع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي العلم الإسرائيلي فوق قلعة بوفورت (قلعة الشقيف)، وهي حصن يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر في جنوب لبنان، ويُعد رمزًا مؤلمًا للاحتلال الإسرائيلي الذي دام قرابة عقدين من الزمن وانتهى عام 2000 دون أي مكاسب استراتيجية. أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستعادة القلعة، مصرحًا: "لقد عدنا إلى بوفورت أقوى من أي وقت مضى". ثم، في اليوم التالي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه توسط في اتفاق بين إسرائيل وحزب الله لوقف القتال.
وقد فسرت إسرائيل وحزب الله تصريح ترامب بشكل مختلف، ولم يتوقف تبادل الاتهامات بينهما. يشير التاريخ الحديث إلى استمرار التقلبات الاستراتيجية الحادة. ففي منتصف نيسان/ أبريل، وبعد جولة ثالثة من المفاوضات، أعلنت واشنطن تمديد وقف إطلاق النار في لبنان لمدة 45 يومًا. لكن بعد هذا الإعلان، تصاعد الصراع بشكل متواصل. ووفقًا لمركز ألما، وهو مركز أبحاث إسرائيلي غير ربحي، شنّ حزب الله، خلال الأسبوع الذي بدأ في 25 أيار/ مايو، 227 هجومًا على جنود الجيش الإسرائيلي ومدنيين إسرائيليين باستخدام الصواريخ ونيران مضادة للدبابات وطائرات مسيّرة، بزيادة عن 161 هجومًا في الأسبوع السابق، وامتدت هذه الهجمات على مساحة أوسع. وتتعرض المستوطنات الإسرائيلية الشمالية لقصف مستمر، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف. في غضون ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي توغله في لبنان، مهددًا بضرب بيروت. فمنذ منتصف نيسان/ أبريل، سوّى قرى بالأرض، وقتل (بحسب إحصاءاته) نحو 800 عنصر من حزب الله ومئات المدنيين اللبنانيين، ونشر فرقًا كبيرة من فرقتين عسكريتين لإنشاء منطقة عازلة متنامية.
ويحاول القادة الإسرائيليون التوفيق بين طرفي نقيض، إذ ينخرطون في دبلوماسية رفيعة المستوى، بينما يواصلون عملياتهم العسكرية. يأملون في إرضاء فئات متعددة في آن واحد: فمن جهة، إدارة ترامب والعواصم الأوروبية المتلهفة للدبلوماسية، ومن جهة أخرى، الإسرائيليون القلقون على أمنهم (خاصةً سكان الشمال)، واليمين المتطرف الإسرائيلي الصغير لكن ذو النفوذ السياسي، والذي يسعى للتوسع الإقليمي. ستجري إسرائيل انتخابات في الخريف، وأي تقاعس عن الرد بقوة على حزب الله سيعرض حكومة نتنياهو لمخاطر حقيقية. لقد وعدت الحكومة الإسرائيليين بتحقيق نصر كامل على إيران وميليشياتها الوكيلة، وليس أي حلول وسط. ورغم أنه لا توجد أي تبعات سياسية داخلية سلبية لنتنياهو في اتباع المسار الدبلوماسي، إلا أنه لم تكن هناك أي مكاسب من الالتزام الجاد به أيضاً.
يجب أيضاً فهم نهج إسرائيل تجاه لبنان في سياق التحول الذي طرأ على العقلية الإسرائيلية بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر. فمخاطر المراقبة والانتظار لتراكم التهديد تبدو ببساطة بالغة الخطورة. لذا، تحولت إسرائيل من إعطاء الأولوية للردع إلى عقيدة أمنية دائمة تُعطي الأولوية لما يُسمى بالدفاع الاستباقي - الاستيلاء على الأراضي، وإنشاء مناطق عازلة، وقبول الحملات العسكرية المستمرة. أكد نتنياهو أن الاستيلاء على قلعة بوفورت يُمثل "مرحلةً حاسمةً في السياسة التي نتبعها. لقد كسرنا حاجز الخوف، ونبادر بالعمل على جميع الجبهات - في سوريا، وغزة، ولبنان".
إلا أن هذا التعبير عن الثقة يُخفي إحباطًا متزايدًا. وإذا استمر التصعيد الحالي، فسيُضيع فرصةً نادرةً أمام إسرائيل ولبنان لتحقيق هدف استراتيجي مشترك. فكلاهما يُريد نزع سلاح حزب الله واستعادة سيادة لبنان؛ فمنذ أن هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران في أواخر شباط/فبراير، أوضح حزب الله جليًا أن ولاءه المطلق لإيران، وليس للشعب اللبناني. لكن نزع سلاح هذه الميليشيا يتطلب حكمةً سياسيةً متأنيةً ومدروسة. والدولة اللبنانية وحدها هي القادرة على نزع سلاحها بشكل شرعي ومستدام.
لا يمكن لإسرائيل أن تستبدل الشرعية بالقوة النارية. لكن بإمكانها المساعدة في تهيئة الظروف التي تمكّن بيروت من استعادة سيادتها. يجب أن تسير مفاوضات هذا الأسبوع بوتيرة أسرع، وأن تهدف إلى ما هو أبعد من مجرد تمديد وقف إطلاق النار الهش وحصر الصراع في جنوب لبنان. ما لم تُفضِ المحادثات إلى نهج مختلف جذريًا وتُحقق فوائد ملموسة لكل من اللبنانيين والإسرائيليين، فإن تجدد الحرب الشاملة سيكون حتميًا، وسيتبدد الأمل في إضعاف حزب الله بشكل دائم وإحلال السلام.
بدأت إسرائيل التخطيط لحملة جديدة ضد حزب الله في منتصف إلى أواخر عام 2025. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، أنهى وقف إطلاق النار الحرب السابقة التي استمرت عامًا، والتي اندلعت عندما بدأ حزب الله، الجماعة الشيعية المسلحة، إطلاق النار على شمال إسرائيل تضامنًا مع حماس في غزة. بعد عدة أشهر، خلصت استخبارات الجيش الإسرائيلي إلى أن حزب الله قد استعاد بعضًا من قدراته العسكرية، وأنه قد يُشكّل مجددًا تهديدًا خطيرًا لإسرائيل. اقترحت الحكومة اللبنانية الجديدة، التي تولت السلطة في شباط/ فبراير 2025، خطة طموحة لنزع سلاح حزب الله، لكنها افتقرت إلى القدرة والإرادة السياسية لإنجاز هذه المهمة الضخمة في إطار زمني مقبول.
وقد أدى الضغط الأمريكي والاستعدادات للحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إلى تهميش خطط إسرائيل في لبنان. ولكن بعد وقت قصير من بدء الحملة ضد إيران، اعتقدت إسرائيل في البداية أنها خدعت حزب الله ودفعته إلى انتهاك وقف إطلاق النار عندما أطلقت الميليشيا وابلاً من الصواريخ على شمال إسرائيل انتقاماً لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. إلا أنه قد يكون من الأصح القول إن إسرائيل وقعت في فخ دون قصد. فقد استفادت إسرائيل طوال عام 2025 مما وصفه بعض المحللين الإسرائيليين بوقف إطلاق نار "مريح". إذ احتفظت بحرية استباق التهديدات وحافظت على وجود عسكري لها في خمس نقاط داخل لبنان، بينما امتنع حزب الله عن أي عمل عسكري. كانت إسرائيل مستعدة لرد حزب الله على مقتل خامنئي، ورأت في ذلك فرصة لشن هجوم أوسع، معتبرةً مهمة مواجهة جماعة منهكة ذات علاقات أضعف ودعم أقل من إيران، مهمةً يمكن السيطرة عليها. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. فقد تعززت علاقات حزب الله مع طهران، وأصبح الحزب يعمل كمنظمة حرب عصابات منتشرة. وتخلى عن ضبط النفس الذي كان يتبعه سابقًا، واتجه إلى تكتيكات جريئة لإلحاق أضرار جسيمة بجنود الجيش الإسرائيلي في لبنان، وبالمجتمعات الشمالية الإسرائيلية.
رغم أن الحملة العسكرية الإسرائيلية عانت من عيوب استراتيجية وتكتيكية، أبرزها ضعفها أمام تكتيكات الطائرات المسيّرة المُطوّرة لحزب الله، إلا أنها حققت سلسلة من الانتصارات. فبحسب إسرائيل، قتلت نحو 3000 مقاتل من حزب الله (بمن فيهم عدد من القادة البارزين) منذ مطلع مارس/آذار. كما دمرت شبكة أنفاق تابعة لحزب الله تمتد لنحو ميل، واستولت على عشرات مخابئ الأسلحة، وهدمت منصات إطلاق صواريخ وبنية تحتية إرهابية في منازل ومنشآت أخرى في قرى لبنانية، وسيطرت على أراضٍ تمتد حتى ستة أميال داخل جنوب لبنان، وتشكل نحو خمسة بالمئة من مساحة البلاد. إلا أن الهجوم كان مكلفاً للغاية، إذ قُتل أكثر من 3000 لبناني، بينهم مدنيون، ونزح أكثر من 1.5 مليون شخص. وأسفرت غارات حزب الله عن مقتل عشرات الجنود والمدنيين الإسرائيليين وإصابة المئات. كما أجبرت عشرات الآلاف من سكان شمال إسرائيل على ترك منازلهم، ويعيش من بقي منهم تحت تهديد مستمر.
والحقيقة أنه لا يوجد حل عسكري للمشكلة التي يمثلها حزب الله. يمكن لمنطقة عازلة أن توقف الغزوات عبر الحدود ونيران المدفعية المضادة للدبابات قصيرة المدى، لكنها غير فعالة في منع الهجمات الصاروخية أو تفكيك خلايا حزب الله في الشمال. في منتصف آذار/مارس، أظهرت تقارير الجيش الإسرائيلي أن معظم عمليات إطلاق الصواريخ التي استهدفت شمال إسرائيل انطلقت من شمال نهر الليطاني، خارج المنطقة التي يمكن لإسرائيل السيطرة عليها فعلياً دون احتلال لبنان بالكامل.
والاحتلال طويل الأمد حتى لجنوب لبنان يُعدّ خطيراً أيضاً. فهو يُعرّض القوات الإسرائيلية لمضايقات المقاتلين، وسيُصبح عبئاً داخلياً هائلاً إذا ما ارتفعت الخسائر، كما تُثبت التجارب التاريخية. بين عامي 1982 و2000، أقامت إسرائيل منطقة أمنية في لبنان، على أمل إبعاد المدنيين الإسرائيليين عن التهديدات. وقد كلّف الاحتلال المطوّل الناتج أرواح العديد من الجنود والاحتياطيين، واستنزف موارد الدولة، وأجّج الاحتجاجات الداخلية وردود الفعل السياسية. وأجبرت هذه الردود إسرائيل في نهاية المطاف على الانسحاب عام 2000 دون تحقيق مكاسب استراتيجية، تاركةً وراءها خصماً أكثر شعبية وقدرة. النهج الذي لم يُحقق الأمن في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي لا يُمكنه تحقيقه اليوم. بل قد يكون أكثر ضرراً في وقتٍ بات فيه إضعاف حزب الله بشكلٍ ملموس، أو حتى نزع سلاحه، أمراً ممكناً لأول مرة منذ عقود.
خطوة للأمام، خطوتان للخلف
حافظت إسرائيل على نهجها العدواني تجاه لبنان، رغم إخفاقاتها، لأن هذا النهج أصبح أيضاً محوراً لعقيدة أمنية جديدة أوسع نطاقاً. قبل صدمة السابع من أكتوبر، استندت العقيدة الإسرائيلية إلى ثلاثة أركان: بناء رادعٍ موثوق، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر للهجمات، وتطوير الدفاعات والقدرات العسكرية لتحقيق انتصارات سريعة وحاسمة في الحرب. إسرائيل دولة صغيرة تواجه تهديداتٍ عديدة، وقد أظهر قادتها أيضاً تفضيلاً للترتيبات التفاوضية التي تُطيل الفترات بين الحروب لإتاحة الوقت لجيشها واقتصادها وشعبها للتعافي. اعتبرت المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية حزب الله أخطر تهديد تقليدي مباشر لها، ومع ذلك، اتبعت استراتيجية "الرد بالمثل" للحفاظ على استقرارها على المدى القصير، مفضلةً استيعاب الاستفزازات البسيطة بدلاً من شنّ ضربات انتقامية قد تُشعل حرباً على الحدود الشمالية.
في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، انهارت هذه الركائز الأمنية الثلاث. وبدلاً من مراجعة أسباب هذا الانهيار وإصلاح مؤسسات الأمن القومي، اتجهت إسرائيل نحو عقيدة جديدة قائمة على الوقاية. هذا الموقف يُديم دوامة الصراع. فإلى جانب الغارات المتواصلة، واستعراضات القوة الجوية، والعمليات الخاصة الباهرة، تُركز العقيدة الجديدة على تدابير الدفاع الأمامي، وهو تعبير مُلطّف للاستيلاء على أراضٍ في الدول المجاورة عبر إنشاء مناطق عازلة.
لا شك أن عجز لبنان عن فرض سيادته لا يزال يُشكل تهديداً أمنياً ملموساً لإسرائيل. فعلى مدى عقود، شكّل لبنان أرضاً استغلتها جهات خارجية لشنّ هجمات على الأراضي الإسرائيلية، بدءاً من منظمة التحرير الفلسطينية بين عامي 1968 و1982 وصولاً إلى حزب الله، حليف إيران اليوم. لكن حزب الله حركة سياسية واجتماعية لبنانية راسخة الجذور، فضلاً عن كونه وكيلاً لإيران. فهو يدير الخدمات الاجتماعية، ويبني شبكات المحسوبية، ويروج لخطاب مقاومة يسد الثغرات التي خلفتها دولة ضعيفة. ولا يمكن مواجهته عسكرياً فقط.
وافقت إسرائيل على إجراء محادثات مع لبنان في منتصف نيسان/ أبريل بناءً على طلب ترامب فقط، بعد تجاهلها دعوات الرئيس اللبناني جوزيف عون للتفاوض في آذار/ مارس. ومع بدء المحادثات في نيسان/ أبريل، وفي الوقت الذي كانت إسرائيل تسعى فيه لتطبيق عقيدتها الجديدة في لبنان، حاولت إظهار انفتاحها على السلام. وأكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن بلاده "لا تملك أي مطامع إقليمية في لبنان". لكن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى آخرين أبدوا موقفًا أكثر توسعًا. ففي 26 أيار/ مايو، كتب وزير الأمن الداخلي إيتامار بن غفير: "علينا قطع الكهرباء [عن لبنان]، وإطفاء المفتاح، وتوضيح الأمر لهم: إذا كان هناك إرهاب، فسوف تتحملون العواقب". كما حذر من أنه إذا لم تسيطر الحكومة اللبنانية على حزب الله، فإن المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني "ستصبح منطقة عازلة أمنية لدولة إسرائيل".
وقد حاول نتنياهو الجمع بين الأمرين. في بيانٍ له بتاريخ 16 نيسان/ أبريل، أعلن أن إسرائيل أمامها "فرصةٌ لإبرام اتفاق سلام تاريخي مع لبنان"، لكنه اشترط الحفاظ على المنطقة العازلة كشرطٍ مسبقٍ للمفاوضات، قائلاً في البيان نفسه إنه يعتزم البقاء "في لبنان ضمن منطقة عازلة أمنية مُعززة. هذه ليست "النقاط الخمس" التي كانت قائمةً قبل عملية "الأسد الزائر". إنها منطقة عازلة أمنية تبدأ من البحر وتمتد إلى جبل دوف وسفوح جبل الشيخ، وصولاً إلى الحدود السورية. إنها شريط أمني بعمق عشرة كيلومترات، أقوى وأكثر كثافةً واستمراريةً وصلابةً مما كان لدينا سابقاً. هذا هو موقعنا ولن نغادر". خلال الأسابيع الستة الدامية التي تلت ذلك، ازدادت حدة خطابه.
قد يخدم اتفاقٌ وصورةٌ مع عون رواية نتنياهو الخاصة بأنه يُحقق لإسرائيل "السلام بالقوة". لكن الحقيقة هي أن حكومة نتنياهو تواجه ضغوطًا شعبية وسياسية شديدة لتكثيف حملتها في لبنان ردًا على استخدام حزب الله المميت للطائرات المسيّرة ذات الرؤية المباشرة، وهو تكتيك كان متوقعًا بشدة، لكن إسرائيل لم تكن مستعدة له بشكل محرج. الإسرائيليون يريدون الأمن، ويتجاهلون دور عملية السلام في تحقيقه. وقد عبّر ناحوم برنياع، وهو كاتب عمود ليبرالي إسرائيلي مخضرم، عن المزاج العام في مقال حديث، حيث كتب: "إسرائيل لا تحتاج إلى اعتراف من لبنان. لا تحتاج إلى سلام. لا تحتاج إلى محبة. إنها تحتاج إلى شيء واحد فقط: ألا تعبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة الحدود. لبنان لا يستطيع توفير ذلك".
كما أن تصعيد العمليات في لبنان يخدم غرضًا سياسيًا. فكل يوم يهيمن فيه حزب الله أو خصومه الآخرون على عناوين الأخبار هو يوم يمر دون نقاش جاد حول تشكيل لجنة تحقيق وطنية في الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها الحكومة قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر وفي يومه، أو حول محاكمة رئيس الوزراء بتهم الفساد. ويُرضي إنشاء المناطق العازلة الجناح اليميني السياسي الإسرائيلي المتطرف ذي النزعة المسيحانية، والذي يطمح إلى ضم المزيد من الأراضي في بلاد الشام؛ ورغم أن هذه المجموعة لا تمثل سوى أقلية هامشية من الناخبين، إلا أنها تُشكل جزءًا أساسيًا من ائتلاف نتنياهو. كما أن التصعيد في لبنان قد يُعرقل الاتفاق الأمريكي الإيراني الذي تعارضه إسرائيل. وبينما تسعى واشنطن وطهران جاهدتين للاتفاق على إطار عمل، أفادت وكالة أنباء تسنيم الإيرانية في الأول من حزيران/ يونيو بتوقف المحادثات بسبب العمليات الإسرائيلية في لبنان. وقد اشترطت طهران وقف إطلاق النار هناك كشرط أساسي لأي اتفاق أوسع، مطالبةً إسرائيل بوقف هجماتها والانسحاب إلى حدودها.
كسر النمط
لكنّ تبجح نتنياهو الأخير يخفي مأزقًا حقيقيًا. فبمواصلة إسرائيل العمل الدبلوماسي والعسكري في آنٍ واحد، عرقلت جهودها في كلا المجالين. وقد اقتبس يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل لدى واشنطن وممثلها في المحادثات، قول الراحل إسحاق رابين: "ينصبّ التركيز الآن على... التوصل إلى معاهدة سلام كما لو لم يكن هناك حزب الله، ومحاربة حزب الله كما لو لم تكن هناك معاهدة سلام. وأعتقد أننا سنحقق كلا الهدفين". وبهذا المعدل، لن يكون أيٌّ من الهدفين قابلاً للتحقيق.
يدرك الإسرائيليون العاديون أن النهج الحالي لا يُحسّن أمنهم على المدى البعيد. فقد أظهر استطلاع رأي أجراه معهد دراسات الأمن القومي في 26 نيسان/أبريل أن 69% من المستطلعين الإسرائيليين يوافقون على "ضرورة استمرار الحملة ضد حزب الله". لكن 62% منهم عارضوا فكرة أن "الحملة الحالية في لبنان ستوفر استقرارًا أمنيًا طويل الأمد". وأعرب 84% من المستطلعين عن قلقهم بشأن الوضع الأمني في لبنان، بزيادة حادة عن 51% في شباط/ فبراير. يتجاوز القلق الانتماءات الحزبية، إذ أعرب 84% ممن صوتوا لائتلاف نتنياهو عن هذا القلق.
يشعر الإسرائيليون بالإحباط إزاء نمط متكرر، حيث يوجه جيشهم ضربات مكلفة تكتيكياً لحزب الله، لكنه يفشل في تحقيق الوعود الاستراتيجية الكبرى التي يقطعها قادة البلاد على الشعب، تاركين إياهم في خيبة أمل متكررة من التطمينات المتفائلة.
إن نزع سلاح قوة شبه عسكرية تُعدّ في الوقت نفسه حركة سياسية واجتماعية رئيسية مهمة معقدة، حتى في الظروف الأكثر ملاءمة. ولا يمكن أن تنجح بسرعة إلا عندما توقع جماعة مسلحة طواعيةً معاهدة سلام مقابل إدماجها في الحياة السياسية الرسمية، كما فعلت القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) في أوائل العقد الثاني من الألفية، أو عندما يدمج تحالف دولي هذه الميليشيا قسراً في هيكل دولة جديد، كما فعلت الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) مع جيش تحرير كوسوفو في أواخر التسعينيات. وقد استغرق نزع سلاح الجيش الجمهوري الأيرلندي 7 سنوات بعد التوصل إلى اتفاق سياسي. في لبنان، تسعى إسرائيل إلى استخدام الضغط العسكري الخارجي لإجبار طرف ثالث - الدولة اللبنانية الهشة والمنقسمة - على نزع سلاح ميليشيا غير متعاونة، مما يجعل القضية والجدول الزمني معقدين للغاية.
لكن نزع سلاح حزب الله ضروري لمصلحة كل من الإسرائيليين واللبنانيين. ومع ازدياد تورط إسرائيل في مأزق استراتيجي، فإنها تخاطر أيضًا بإضاعة فرصة نادرة لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل. لقد سئم جزء كبير من الشعب اللبناني من حزب الله، وشهد الخطاب العام مؤخرًا تحولًا يخلق فرصة تاريخية للسلام. منذ تغيير الحكومة في أوائل عام 2025، نأى سياسيون ونشطاء لبنانيون بارزون بأنفسهم علنًا عن حزب الله وتحدثوا عن السلام مع إسرائيل، وهو موضوع كان من المحرمات سابقًا؛ بل إن بعض الشخصيات اللبنانية أبدت ميلًا نحو انخراط دبلوماسي محدود. أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "إنفورميشن إنترناشونال"، وهي شركة أبحاث واستشارات مستقلة مقرها بيروت، في مايو/أيار، أن معظم اللبنانيين يؤيدون السلام مع إسرائيل. لكن استمرار الوجود الإسرائيلي دون إحراز تقدم دبلوماسي ملموس قد يعيد إحياء خطاب حزب الله المقاوم ويغذي جهوده لتقديم نفسه كمدافع ضروري ضد الاحتلال.
لا يمكن أن يكون الكلام رخيصًا
المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية محدودة بطبيعتها. ولأن إسرائيل تتجه نحو انتخابات في الخريف، فإن فريق التفاوض لا يملك سوى القليل من الصلاحيات، ناهيك عن أي قدرة على مناقشة انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية في المستقبل المنظور. إن استمرار المفاوضات رغم التصعيد على الأرض يحافظ نظريًا على مسار التقدم. ولكن، كما هو الحال مع القادة اللبنانيين، سيحتاج القادة الإسرائيليون قريبًا إلى إثبات أن عملية السلام هذه تقدم فوائد ملموسة لقواعدهم الشعبية.
إن الحكومة اللبنانية ومعظم شعبها شركاء لإسرائيل، ويجب معاملتهم على هذا الأساس في الطريق الطويل والشاق لنزع سلاح حزب الله. وكإجراء فوري لبناء الثقة، يجب على القادة الإسرائيليين - نتنياهو على وجه الخصوص - أن يوضحوا بجلاء أن إسرائيل ليس لها أي مطالبات إقليمية طويلة الأمد في لبنان، وأن وجود الجيش الإسرائيلي في جنوب البلاد مؤقت فقط. كما يجب على إسرائيل تجنب تعزيز وجودها وقبول انسحاب جزئي كجزء من اتفاقية أمريكية إيرانية (في حال توقيعها). قد يُتيح هذا الخيار الأخير لإسرائيل مخرجًا ضروريًا بإجبارها على تقليص منطقتها العازلة الموسعة، وصولًا إلى قمم التلال الخمس الأصلية التي كانت تسيطر عليها عند وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. وبالرغم من الضغوط الداخلية للعدوان العسكري، فإن ضبط النفس العملياتي أمر بالغ الأهمية أيضًا. فالضربات العشوائية (خاصة في بيروت)، وهدم القرى، وإنشاء منشآت دائمة على الأراضي اللبنانية، تُقوّض الشرعية الداخلية للحكومة اللبنانية وقدرتها على مواجهة حزب الله، كما أنها تُهدد بإعادة تأهيل صورة الحزب كحامٍ للمدنيين اللبنانيين. يجب على إسرائيل أن تُوازن عملياتها بحيث تُضعف القدرة القتالية لحزب الله مع الحفاظ على البنية التحتية المدنية التي تحتاجها الدولة اللبنانية لتوسيع نفوذها.
كما يُمكن لإسرائيل أن تُقدم تدابير فورية لبناء الثقة يُمكن تسويقها محليًا: مشاريع مياه في أحواض الأنهار المشتركة، ومبادرات تعاون في مجال الطاقة لتخفيف أزمة الكهرباء في لبنان، وحقوق زيارة الأماكن المقدسة للحجاج اللبنانيين، ومراجعة تدريجية لوضع المعتقلين اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل من غير أعضاء حزب الله. لن تُعتبر هذه الإجراءات تنازلات، بل استثمارات في استقرار دولة مجاورة. كما ستمنح بيروت مساحة سياسية لمواجهة حزب الله، ومواصلة المفاوضات، والرد بخطوات مماثلة، كإلغاء قانون يُجرّم أي اتصال مباشر أو غير مباشر بين اللبنانيين والإسرائيليين.
يتعين على القادة الإسرائيليين أن يكونوا صريحين مع ناخبيهم وأن يُعيدوا تقييم توقعاتهم. فالمبالغة في إظهار الانتصارات لا تُؤدي إلا إلى إحباط الرأي العام. كما ينبغي عليهم التوقف عن تصوير الحكومة اللبنانية وجيشها على أنهما غير كفؤين، والاعتراف بدلاً من ذلك بما أنجزته حتى الآن لمواجهة حزب الله، بما في ذلك تفكيك ما يقرب من 10,000 صاروخ و400 قذيفة، وفقًا للقيادة المركزية الأمريكية، واستعادة السيطرة على مطار بيروت (وهو مركز رئيسي في شبكة التهريب التي تمول حزب الله)، وإبعاد الضباط العسكريين المرتبطين بحزب الله عن مناصبهم الرئيسية، ونشر قوات على الحدود الشرقية للبلاد مع سوريا، وفتح ملفات الاستخبارات العسكرية الخاصة بعناصر حزب الله. وفي خطوة واعدة أخرى، فرض مصرف لبنان المركزي حظراً غير مسبوق وحملات تنظيمية صارمة على القرض الحسن، وهو المؤسسة المصرفية الموازية لحزب الله.
في الوقت نفسه، يجب على إسرائيل والولايات المتحدة أن تكونا على دراية تامة بما لم يفعله لبنان بعد، وأن تُحددا بوضوح أوجه القصور في قدراته وإرادته، وأن تُحاسبا لبنان على ذلك. ينبغي لفريق التفاوض الأمريكي تحويل قائمة مبادئه إلى خارطة طريق واضحة يُمكن لكل من لبنان وإسرائيل التوقيع عليها، وتُحدد معايير لكلا البلدين. يجب أن تنص هذه الخطة على تعزيز القوات المسلحة اللبنانية (بشرط إبعاد عناصر حزب الله عن صفوفها)، وتفكيك شبكات حزب الله للرعاية والتمويل، وتطبيق إجراءات مكافحة الفساد في لبنان، وإعادة الخدمات الأساسية إلى المناطق الشيعية. ينبغي أن تُحدد خارطة الطريق المسؤوليات، وتضع جداول زمنية واقعية، وتستقطب شركاء في الخليج وأوروبا لتقديم حوافز مالية تُسهّل نزع سلاح حزب الله، وإعادة توطين وإعمار المجتمعات المُهجّرة، والتنمية الاقتصادية. إن التوقيع على مثل هذه الخطة سيمنح إسرائيل مزايا دبلوماسية في أوروبا، حيث يتراجع دعمها بشكل حاد، وفي الدول العربية التي تطمح إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية معها، وخاصة المملكة العربية السعودية - المرشح الأبرز لتمويل إعادة إعمار لبنان.
... ينبغي أن تتضمن خارطة الطريق هذه انسحابًا تدريجيًا للجيش الإسرائيلي مرتبطًا بتحقيق لبنان لمعايير واضحة. يجب على القوات المسلحة اللبنانية - التي تم اختيارها وتدريبها وتجهيزها في إطار برنامج تقوده الولايات المتحدة - أن تتولى المسؤولية الأمنية في جميع أنحاء الجنوب مع تدهور البنية التحتية المسلحة لحزب الله بشكل واضح. على عكس بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في لبنان، التي فشلت في مراقبة حزب الله بشكل شامل والتي ستنتهي ولايتها هذا الصيف، ينبغي للمراقبين الأمريكيين والأوروبيين رصد تقدم لبنان وفقًا لمعايير واضحة: عدد أسلحة حزب الله التي تم تفكيكها، وعدد نقاط التفتيش التي تم إنشاؤها لمنع حزب الله من التمركز مجددًا في معاقله السابقة، وعدد القوات الأمنية التي تم نشرها على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل.
يمكن لإسرائيل أيضًا اقتراح إطار عمل لعدم الاشتباك، أو حتى اتفاق سلام مشروط، جاهز للتوقيع بمجرد تقليص وجود حزب الله. إن حل النزاعات الحدودية البرية بين إسرائيل ولبنان في هذا السياق يمكن أن يحقق ثلاثة أهداف: قد يقوض رواية حزب الله كمدافع عن لبنان؛ يُتيح ذلك للقادة السياسيين إعلان التقدم دون انتظار تسوية شاملة، وإثبات للبنان والمجتمع الدولي أن إسرائيل لا ترغب في حرب دائمة.
تواجه إسرائيل خيارًا صعبًا. إما قبول صفقة مُرهِقة: الجمع بين الردع المُتدرّج والتدابير العسكرية المؤقتة مع مبادرات واضحة لتعزيز قدرات الدولة اللبنانية ونزع الشرعية عن حزب الله، أو الاستمرار في الاعتماد على سياسة الوقاية والرد - وهي سياسات تُفضّل العمل العسكري على الدبلوماسية الصبورة - وتحمّل تكاليف عسكرية واقتصادية ودبلوماسية مُتراكمة. لكن على المدى القريب والبعيد، لن يُفيد ذلك إلا حزب الله.
الكاتب: غرفة التحرير